/مقالات/ عرض الخبر

الواقعية مقتل الثوار

2018/04/26 الساعة 10:31 ص

وكالة القدس للأنباء – متابعة

مقال بقلم / راغدة عسيران

قبل عقود، بعد اندلاع "الانتفاضة الثورة" عام 1987، حذّر الشهيد فتحي الشقاقي من استثمارها قبل الأوان بحجة الواقعية، التي تغنّت بها قيادة منظمة التحرير الفلسطينية: "بدلاً من التعامل مع الانتفاضة كمشروع استراتيجي للنهضة والتحرير، وكمحاولة قوية وجادة لاستنهاض الأمة، تم التعامل معها كمشروع للاستثمار العاجل والسريع بل كغطاء للدخول إلى تسوية كما تبين أخيراً" (1993)، معتبراً أن نظرة "الواقعيين جداً" للانتفاضة "الضيقة القاصرة المستعجلة" دفعتهم لدخول مسار التسوية وإنهاء الانتفاضة - الثورة.

لقد بدأ مسار التسوية تحت بند "الواقعية"، في ظل سيطرة الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة، على العالم، وميزان قوى مختل لصالح العدو. وقد تنازل المهرولون نحو التسوية، بسبب "واقعيتهم" عن ثوابت القضية الفلسطينية شيئاً فشيئاً، وباتوا يقبلون بأقل مما كانوا قد أقروا في البرنامج المرحلي عام 1974، أي مرحليّة الصراع، حيث اختفت المرحليّة عندما اعترفوا بالكيان الصهيوني على 80% من الأرض الفلسطينية في اتفاقيات أوسلو. ما يعني أن "الواقعية" التي تحلّت بها قيادة منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية لم تثمر إلا عن توسّع الاستيطان والتهويد والحروب الهمجية على الشعب الفلسطيني من جهة، وعن تشرذم الجهود وتعميق الانقسام بين الفئات والأحزاب والفصائل الفلسطينية، من جهة أخرى. ذلك لأن "الواقعية" تعني أولاً التخلي عن الأهداف الاستراتيجية التي تجمع الشعب الفلسطيني، وهي أهداف التحرير والعودة، كما تعني ثانياً استبدال الواجب (واجب التحرير والعودة) الدائم بـ"الممكن آنياً" المتغيّر.

تكمن أهمية مسيرة العودة الكبرى التي اندلعت في يوم الأرض في 30 آذار الماضي كونها أعادت الأهداف الاستراتيجية إلى الواجهة، فلسطينياً وعربياً ودولياً، بعد التراجع عنها من قبل فئات فلسطينية مسيطرة على الساحة، وبعد إزاحتها من قبل أنظمة عربية وإسلامية خضعت للهيمنة الأميركية، وفتحت أبواب التطبيع مع الكيان الصهيوني، وبعد صعود التيار المتعصّب لصهيونيته وعنصريته في العالم الغربي، لا سيما في الولايات المتحدة. كما جاءت مسيرة العودة الكبرى كإجابة على حالة التشرذم الداخلي الفلسطيني التي أنتجه مسار التسوية والسعي إلى السلطة، لتعلن أن الأهداف الاستراتيجية (التحرير والعودة) هي التي توحّد الساحة الفلسطينية وتضع الصراع في طريقه الصحيح، حيث أن مواجهة الكيان الصهيوني بمسيرات شعبية تنطلق من الأراضي الفلسطينية ودول اللجوء كافة، للمطالبة بتطبيق حق العودة الذي أقرته هيئة الأمم المتحدة، قد تغيّر الواقع وتؤثر على مجريات الأمور في المنطقة.

انطلقت مسيرة العودة الكبرى من قطاع غزة بعد محاصرة انتفاضة القدس، التي اندلعت في تشرين الأول / أكتوبر 2015، من قبل السلطة الفلسطينية، التي منعت انتشارها في الضفة الغربية لمواجهة الاحتلال، حيث لم تستطع العمليات الفدائية العديدة ضد العدو الصهيوني من تصعيد وانتشار الفعل المقاوم، بسبب "التنسيق الأمني" بين أجهزة السلطة والكيان الصهيوني، والقمع الممنهج ضد المقاومين والمناضلين. كما انطلقت بعد أن ثبت، خلال الهبة الجماهيرية للدفاع عن المسجد الأقصى في تموز / يوليو 2017، أن وحدة الشعب حول الأهداف المركزية والالتفاف الجماهيري حولها وعدم الإصغاء إلى كل من يحاول التحايل عليها، من قوى داخلية أو أنظمة عربية، يشكلون ضمانة لاستمرارية الحركة الشعبية الثورية وصدقيتها وعنفوانها.

في بيانها الثالث، أعلنت "الهيئة الوطنية العليا لمسيرة العودة وكسر الحصار" أن "مسيرة العودة ماضية في مسارها الكفاحي ولشهور طويلة، ولا عودة للوراء، وسيبقى الاشتباك الشعبي المفتوح مع الاحتلال مستمراً ومتصاعداً يوماً بعد يوم حتى تحقيق أهداف شعبنا"، ما يعني أن الهيئة ترى أن العودة إلى مرتكزات الصراع، وهو "الاشتباك المفتوح مع الاحتلال" كفيل بتوحيد الشعب الفلسطيني حول أهدافه، في حين حدّدت الهدف الاستراتيجي بـ"النضال من أجل تحقيق حق عودة اللاجئين إلى ديارهم التي هجروا منها كحق ثابت لشعبنا"، و"الأهداف الآنية"، وهما مواجهة صفقة "ترامب" وإفشالها، و"كسر الحصار الظالم المفروض على قطاع غزة"، وحذّرت من "الاستثمار السياسي للتحرك الجماهيري من أجل إعادة شعبنا إلى مربع التسوية واتفاقية أوسلو المدمّرة لشعبنا"، في إشارة إلى تحرك السلطة الفلسطينية التي لا زالت تلاحق المناضلين في الضفة الغربية لمنعهم من الاشتباك مع العدو وتقف حاجزاً أمام الانضمام إلى مسيرة العودة الكبرى، وتشدّد الحصار على قطاع غزة، وتطالب بـ"حماية دولية" للشعب الفلسطيني منعاً لتحرره.

رغم التضحيات الجسام التي دفعها المشاركون في هذه المسيرة في قطاع غزة، والتي أسفرت عن سقوط العشرات من الشهداء والآلاف من الجرحى، إلا أن المسيرة مستمرة حيث يبدع شبابها يومياً في إيجاد طرق جديدة لإيذاء العدو، كان آخرها الطائرات الورقية التي تشعل أحراش المستوطنات. أخرجت مسيرة العودة الكبرى الشباب وأهل قطاع غزة إجمالاً من حالة الصراعات الداخلية والتجاذبات الجانبية واليأس والإحباط إلى حالة ثورية نهضوية عارمة، يجد فيها الشعب بفئاته كافة مجالاً للابتكار والعمل والمساعدة، في مشروع يواجه العدو وكل داعميه في العالم. منذ اليوم الأول، أربكت المسيرة العدو المجرم الذي حاول مواجهة الإعلام العالمي باختراع تبريرات لاستعماله "القوة المفرطة" ضد المشاركين السلميين، وتحرّك من أجل إفشالها عبر أنظمة عربية واقتراحات لتخفيف الحصار على قطاع غزة، أي قتل المسيرة - الثورة قبل انتشارها في الأراضي الفلسطينية كافة وفي اللجوء.

في هذا السياق، يناقش الشهيد باسل الأعرج في إحدى مقالاته ما يطرحه الآن بعض المفكرين الفلسطينيين "الواقعيين" بالنسبة لمسيرة العودة الكبرى، حول "ضرورة صياغة مطالب قابلة للتحقيق لاستثمار الهبّة الحالية"، في حديثه عن انتفاضة القدس، معتبراً أن الحديث عن "مطالب" عادة ما يتبعه مباشرة الحديث عن التمثيل، أي سؤال "من يُمثل الشعب ويتحدث باسمه؟"، والحديث عن التمثيل تتبعه مباشرة ممارسة سلطة على الجموع الحقيقية التي تمارس الاشتباك، وممارسة سلطة أو امتلاكها سيدفع مباشرة للمساومة، والمساومة ستعيد إنتاج ما سبق، بوجوه جديدة وأعمار صغيرة". ما يعني أن اقتراح "مطالب قابلة للتحقيق" بحجة الواقعية، يشكّل مقتلاً للحالة الثورية التي أوجدتها مسيرة العودة الكبرى، ويعيد إنتاج المأزق الذي أخرجت منه هذه الحالة، الشعب وقواه الحية، بخاصة وأن "المطالب القابلة للتحقيق" في هذه الفترة الزمنية الحرجة غير متوفرة إلا برفع سقف المطالب إلى الأعلى، أي العودة إلى الأهداف الإستراتيجية للشعب الفلسطيني، وتوسيع دائرة الاشتباك، وترسيخ أهداف الشعب الفلسطيني الساعي الى التحرير والعودة في أذهان العالم أجمع. قد تقدّم القوى المتآمرة على الشعب الفلسطيني مبادرات، كفك الحصار عن قطاع غزة لإيقاف مسيرات العودة، ما يشير إلى أن العدو مرتبك ومتألم، ذلك ينبغي أن يشجع على الاستمرار بها ورفع سقف مطالبها وتوسيع فعالياتها إلى باقي الأراضي الفلسطينية وإلى اللجوء وإلى بلاد الهجرة، مع اختراع أشكال مناسبة للمواجهة في كل هذه الحالات.

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/125276

الأخبار الرئيسية

الأكثر قراءة

اقرأ أيضا