جدد رئيس السلطة الفلسطينية دعوته لضرورة "عقد مؤتمر دولي لإحياء العملية السياسية، ينبثق عنه آلية متعددة الأطراف تستند إلى قرارات الشرعية الدولية لتعمل على إطلاق مفاوضات جادة وحقيقية بهدف الوصول إلى مبدأ "حل الدولتين"... وذلك رداً على ما أسماه عباس إنحياز إدارة ترامب للجانب الصهيوني وعدم نزاهته كراع للمفاوضات، بعد مسلسل المواقف الأميركية التي بدأت في السادس من كانون الأول/ ديسمبر الماضي بإعلان الرئيس دونالد ترامب القدس عاصمة لكيان العدو الصهيوني، ونقل سفارة بلاده من تل أبيب إليها، وتحديد يوم الرابع عشر من أيار المقبل للتنفيذ، كهدية تقدم لحكومة العدو في الذكرى السبعين لاغتصاب فلسطين ... مروراً بشن الحرب المفتوحة على وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين – الأونروا، وتقليص دعمه المالي لها مقرونا باستثناء لبنان وسوريا من خدماتها، كخطوة لشطب قضية اللاجئين وتصفية حق عودتهم إلى ديارهم، وصولا لإلغاء القرار الدولي الرقم 194...
وأضاف عباس خلال افتتاح الدورة الثالثة للمجلس الثوري لحركة فتح التي انعقدت أمس بمقر الرئاسة في مدينة رام الله المحتلة أن الجانب الفلسطيني أطلق رؤية فلسطينية للسلام تعتمد على أسس الشرعية الدولية، وتتجاوب مع الجهود الدولية الرامية لإنقاذ عملية السلام... وقال إن هناك قبولاً دوليا متزايداً، حول ضرورة توسيع نطاق الدول الراعية للعملية السلمية، بما يضمن غطاءً دولياً لتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة والعالم، عبر إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
وتطرق عباس، إلى المصالحة المتعثرة، مؤكدا على "أنها مصلحة وطنية عليا يجب تحقيقها بكل السبل، وذلك لمواجهة الظروف الدقيقة والصعبة التي تمر بها القضية الفلسطينية والمنطقة". مشدداً على حرصه الكامل لإنهاء "الانقسام الوطني، وإنجاز الوحدة التي يتوق لها شعبنا في كل أماكن تواجده".
إن مواقف عباس ودعواته التي ما انفك يطلقها من على منابر دولية وإقليمية وعربية وفلسطينية، من مجلس الأمن الدولي إلى الاتحاد الأوروبي إلى الجامعة العربية، إلى الاجتماعات الفلسطينية، لا تعدو كونها صرخات في واد لا أثر لها ولا تأثير، بخاصة وأنها لم تخرج عن نهج المفاوضات العبثية وعن مفاعيل اتفاق أوسلو وترجماته التي أدت إلى النتائج الكارثية التي باتت تحيط بالقضية الفلسطينية على الصعد والمستويات كافة، والمآلات التي انتهت إليها.
وبالرغم من مرور نحو ثلاثة أشهر على إعلان ترامب القدس عاصمة للكيان وما تبعه من مواقف داعمة له، وعلى المواقف والدعوات التي أطلقها رئيس السلطة، فإن الاستجابة لتلك الطروحات والمبادرات الموجهة إلى مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي تدور في دائرة لا تتعدى الأقوال.. بخاصة وأن مصادر أوروبية عدة أكدت لعباس ولوزراء الخارجية العرب أن الأوروبيين «لا يرون أنهم قادرون على الحلول محل واشنطن، وبالتالي فإن دورهم رديف لها وليس بديلاً عنها» لأسباب جوهرها العلاقة الخاصة بين واشنطن وتل أبيب، من جهة، وكون الأولى الطرف الوحيد القادر حقيقةً على الضغط على القيادة "الإسرائيلية" لتليين مواقفها والقبول بالمحددات المعروفة للحل، من جهة أخرى!..
إضافة لذلك فإن دعوة عباس لعقد مؤتمر دولي يعتبر تراجعا عن رفض الوساطة الأميركية، لا بل تعزيزا لدورها الذي لا يستطيع الاوروبيون تجاوزه كما أكد وزراء خارجية الاتحاد في بروكسل أمام وزراء الخارجية العرب وامين عام الجامعة العربية... وتجاوزا للمواقف "الحادة" (الشكلية) التي اتخذها عباس – والتي لم تترجم على أرض الواقع - رفضا وتنديدا وتشكيكا بـ"نزاهة الراعي الأميركي". وبالتي تبرير عودته إلى الحضن الأميركي.
وبالتالي فإن رهان عباس على دور أوروبي ينحصر في إمكانية انتزاع تعديلات محدودة وشكلية على جوهر الرؤية الأميركية للتسوية التي يعدها فريق ترامب في حال انعقد المؤتمر الدولي.. وقد حملت التسريبات التي نشرتها صحيفة "الشرق الأوسط" اللندنية في عددها الصادر في 28 شباط/ فبراير الماضي، أن واشنطن تنوي عرض خطتها في إطار «مؤتمر دولي» يُعقد في إحدى العواصم العربية (الأرجح مصر بحضور "إسرائيل"). واستناداً إلى الخطة المذكورة، يمكن لواشنطن وعواصم أخرى أن تعترف بدولة فلسطين، كما لا تستبعد أن تقبل القدس الشرقية عاصمة لها شرط أن تكون القدس القديمة تحت «ولاية دولية». أما بخصوص ملف اللاجئين، فإن خطة كوشنير - غرينبلات تنص على بقائهم حيث هم مع تقديم تعويضات لهم. لكن ذلك يعني تخلي الفلسطينيين عن حق العودة...
إن تصريحات عباس ومواقفه ودعواته لاستئناف المفاوضات العبثية وتحت إدارة ترامب وفريقه، تعتبر تنكرا لقرارات المجلس المركزي، واستخفافا بالمواقف التي أطلقتها الفصائل والقوى الأحزاب والهيئات الفلسطينية والعربية والإسلامية، وطعنة للقدس ومقدساتها ولكل تضحيات أبطال انتفاضة القدس الدائمة والمستمرة. بخاصة وأن التطورات الميدانية من تنسيق أمني ومفاوضات مستمرة ومتواصلة بين السلطة وقادة العدو، وتطبيع متدحرج، تؤكد أن ترجمات "صفقة القرن" تمضي "بهدؤ".
أما آن لهذا العبث بالقضية الفلسطينية.. قضية الأمة المركزية أن يتوقف؟..