/مقالات/ عرض الخبر

"المحرقة" أم "المحارق"؟ بين ذاكرة الشعوب وذاكرة الاستعمار

2018/01/30 الساعة 09:05 ص
الهولوكوست
الهولوكوست

وكالة القدس للأنباء – متابعة

مقال بقلم / راغدة عسيران

صرّح مؤخراً أمين عام "رابطة العالم الإسلامي"، الشيخ الدكتور محمد بن عبد الكريم العيسى بأن "الهولوكوست جريمة نازية هزّت البشرية في العمق، وأسفرت عن فظائع يعجز أي إنسان منصف ومحبّ للعدل والسلام أن يتجاهلها أو يستهين بها"، مستنداً إلى "البعد الإنساني البحت المتعلق بالأرواح البريئة". جاء هذا الكلام بمناسبة مشاركة الرابطة في مؤتمر تنظمه الخارجية البريطانية بمناسبة الذكرى السنوية لمحرقة "الهولوكوست"، أي دعماً للذاكرة الأوروبية الرسمية، التي نفت "المحارق" كافة التي ارتكبها الجنود والمستوطنون الأوروبيون في أنحاء العالم، قبل وبعد "المحرقة" التي ارتكبها النازيون بحق اليهود والغجر في أوروبا. كانت بريطانيا قد احتفلت قبل أشهر بذكرى وعد بلفور الذي أهدى فلسطين إلى الحركة الصهيونية، غير آبهة بما حلّ بشعب فلسطين من جراء هذا الوعد المشؤوم. كيف يمكن الادعاء بالتمسك بالقيم الإنسانية عندما يتم تجزئة الذاكرة البشرية، وتنصيب محرقة على حساب محارق أخرى أصابت شعوب العالم؟ هل "الأبيض" الأوروبي أرقى في إنسانيته من "الأسود" أو "الأحمر" أو "الأبيض" غير الأوروبي ليتم إنكار تاريخ وذاكرة شعوب العالم والاستفراد بـ"محرقة" واحدة؟

تحاول الدوائر الغربية منذ عقود من الزمن تنصيب المحرقة بحق يهود أوروبا كـ"محرقة بحق الإنسانية"، وكأن الإنسانية (شعوب العالم) تفتقر إلى تاريخ وذاكرة خاصة بها، ولم يعد يهمها إلا التاريخ الأوروبي والحروب والمجازر التي ارتكبها حكامها ضد بعضهم البعض على الأرض الأوروبية. لا يشارك الضحايا الغجر، على سبيل المثال، هذه الذاكرة الأوروبية الرسمية المبتورة، رغم اعتبار المؤرخين أن المحرقة بحقهم (حوالي 200 ألف ضحية) تشكل الجريمة الأفظع، نسبة إلى أعدادهم في القارة الأوروبية في ذلك الوقت.

يرجع سبب اختيار المحرقة بحق اليهود كـ"محرقة بحق الإنسانية" يتوجب على شعوب العالم الاعتراف بها بهذه الصفة، وبالأرقام التي حدّدت، إلى توظيفها كحدث مؤسس للكيان الصهيوني وداعم لاستيطان فلسطين. والسبب الآخر يقبع في محاولة القوى الغربية الاستعمارية محو ذاكرة الشعوب لصالح ذاكرتها هي، وإنكار فظاعة جرائمها ومحارقها التي ارتكبتها بحق شعوب العالم.

خلال الزيارة التي قام بها الرئيس الفرنسي ماكرون إلى الجزائر في شهر كانون الأول / ديسمبر 2017، وفي زحمة استقباله من قبل جزائريين بالهتافات الترحيبية، خاطبه أحد الشباب بالقول: "على فرنسا تحمّل مسؤولية استعمارها للجزائر". انزعج الرئيس الفرنسي من هذا الصوت "الناشز" الذي جاء ليذكره بصفحة تاريخية لم تطو بعد. سأله ماكرون: "ما عمرك؟" أجاب الشاب: 26 عاماً. فصدّه الرئيس الفرنسي غاضباً بالقول: "لكنك لم تعش أبداً فترة الإستعمار. ما الذي جاء بك هنا لتربكني؟ أنت وجيلك، عليكم النظر نحو المستقبل".

بالنسبة للرئيس الفرنسي ورؤساء العالم "الحر"، هم من يختارون ما يجب أن تتذكره الشعوب، أي "المحرقة" (الوحيدة والواحدة) وبعض تفاصيل حروبهم "المجيدة" ضد شعوب العالم التي أدخلوها إلى "الحضارة" ببناء سكك الحديد والطرقات والمدارس. أما المجازر والسرقات والتعذيب في السجون والمحارق في الأفران وسياسة التجهيل الممنهجة، على شعوب العالم شطبها من ذاكرتهم، لأنها تسيء إلى العلاقات الدولية وإلى بناء الأجيال "المحبة للسلام". لماذا إذاً سرقت فرنسا أطنان من الوثائق الجزائرية مع اندحار جنودها من الجزائر في العام 1962؟ إذ لم تسرق فقط الوثائق المتعلقة بتاريخ الاستعمار، بل أيضاً ملفات متعلقة بتاريخ الجزائر في الحقبة العثمانية، جاعلة نفسها وصية على تاريخ وذاكرة الشعب الجزائري منذ القدم. ترفض فرنسا إلى الآن إعادة هذه الوثائق إلى الجزائر، رغم المطالبة الرسمية بها.

لم تكتف الدوائر الغربية بإلزام شعوب العالم بالاعتراف بالمحرقة بحق اليهود كـ"محرقة بحق الإنسانية" فحسب، بل فرضت على المؤرخين والسياسيين والكتاب عدد الضحايا، وهو 6 مليون يهودي. أي مؤرخ يتجرأ على الإنتقاص من هذا العدد "السحري" أو التشكيك فيه يواجه ويحاكم ويمنع من التدريس، وينعت بـ"التصحيحي" المساوي لـ"النازي" أو "المنكر للمحرقة"، في حين ترفض الدوائر الرسمية وغير الرسمية الغربية الاعتراف بالأرقام التي تحدّدها الشعوب لضحاياها. لم تعترف مثلاً فرنسا بعدد ضحايا مجزرة سطيف في أيار 1945 في الجزائر، ونسبت الرقم الرسمي إلى إذاعة القاهرة، للتشكيك به. كما رفضت الإعتراف برقم ضحايا مجرزة مدغشقر التي اقترفها الجيش الفرنسي عام 1947، حيث اعترفت بـ11 ألف ضحية، في حين سقط 80 ألف ضحية، وفقاً للمؤرخين الملغاشيين. ولكنها تراجعت قليلاً عن روايتها الأولى بالقول إن الضحايا الآخرين سقطوا من جراء المجاعة والأمراض في المناطق التي سيطر عليها الثوار. لم تعترف الدوائر الحاكمة في الغرب بهذه الأرقام، رغم التوثيق لها، ولم تجعل منها "محارق بحق الإنسانية"، ولكنها متشبثة بالرقم "السحري" الذي اخترعه الصهاينة، لتوظيفه لصالح المشروع الصهيوني.

منذ غزو فلسطين وتجزئة الوطن العربي، تحاول الدول الغربية الحاكمة تزييف التاريخ وفرض ذاكرة واحدة على الشعوب العربية، هي ذاكرة المستعمِرين الأوروبيين ومستعمراتهم. هو الصراع على التاريخ وعلى الوعي. في فلسطين المحتلة، اخترعوا رواية توراتية لتبرير احتلالهم ومجازرهم، وأنكروا تاريخ الشعب الفلسطيني، بكل مكوناته وكل حقباته، كي يستمروا في إبادته، المعنوية والجسدية، ووظفوا "المحرقة" لإسكات شعوب العالم ومنعها من البوح بالحقيقة أو حتى مناقشة الوقائع. لقد فرضوا تاريخهم المزيف على المدارس العربية في فلسطين المحتلة عام 1948 ومدينة القدس، واستبدلوا أسماء الشوارع والمدن والقرى وغيرها من المعالم العربية بأسماء يهودية توراتية وغيرها من الأسماء الغريبة عن تاريخ المنطقة، لمحو الوعي والذاكرة المختلفة عن ذاكرتهم. يذكر الباحث محمود يزبك (حوليات القدس، 2011) حجم سرقة الوثائق الفلسطينية التي أقدم عليها الاحتلال خلال النكبة وبعدها، لمنع الفلسطينيين والعرب وغيرهم من الباحثين من الاستفادة منها، إذ يقدر ما تم الاستيلاء عليه بنحو 4 آلاف من الأمتار، منها ما استغل من قبل الصهاينة لكتابة التاريخ وفقاً لأيديولوجيتهم، وما زال القسم الأكبر منها متروكاً دون تصنيف في الأرشيفات الصهيونية، منها "مجموعة كبيرة من الملفات والمجلدات الفلسطينية من أيام الدولة العثمانية، التي لم يتم فهرستها مطلقاً، وهي لا تزال مبعثرة داخل صناديق في أقبية الأرشيف"، ويشمل قسم "الوثائق المتروكة"، أي التابعة لأملاك اللاجئين، على "العديد من الوثائق الفلسطينية من أيام الحكم العثماني، ولم يتم تصنيفها نهائياً"، إضافة الى "مجموعات وأرشيفات خاصة" تشمل "مجموعة وصل عددها إلى 2827 ملفاً تحوي عشرات آلاف الوثائق".

من جهة، فرض تاريخ مخترع لتبرير الغزو والاستيلاء على الأرض، ومن جهة أخرى، الاستيلاء على الذاكرة الفلسطينية والتاريخ الفلسطيني، لتبرير سياسة الطرد والإحلال، بالادعاء أن الشعب الفلسطيني "غير موجود"، المطبقة اليوم في الأراضي الفلسطينية كافة، من نابلس إلى النقب، مروراً بالقدس والخليل والمثلث. ويتم تبرير كل ذلك بالادعاء أن "المحرقة اليهودية" على أيدي الأوروبيين النازيين هي "المحرقة" الوحيدة في تاريخ البشرية.

الاعتراف بما اقترفه النازيون بحق الأوروبيين، ومنهم اليهود والغجر، ضمن ما اقترفه الأوروبيون الليبراليون بحق شعوب العالم، وخاصة بشعب فلسطين، هو الذي يستند إلى "البعد الإنساني البحت المتعلق بالأرواح البريئة"، وما غير ذلك إلا توظيف سياسي وتملّق للمستعمرين الصهاينة والغربيين.

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/121543

الأخبار الرئيسية

الأكثر قراءة

اقرأ أيضا