سمير أحمد
لم يكن الشارع الفلسطيني ينتظر إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، القدس عاصمة للكيان، ونقل سفارة بلاده إليها، ليدرك أن الادارات الأميركية المتعاقبة، تقف في صف كيان العدو الصهيوني منذ أكثر من مئة عام، كما اكتشف ذلك مؤخرا رئيس السلطة الفلسطينية، وأنها لم تكن يوماً وسيطاً "نزيها" في مسيرة "التسوية" الخائبة ومفاوضاتها "العبثية"... ولم يكن هذا الشارع ينتظر قرار حزب "الليكود" بضم المستوطنات إلى الكيان الصهيوني، ليعي أن حكومات العدو المتعاقبة استثمرت مسار التسوية، والمفاوضات للاطباق على الضفة المحتلة من خلال زرع مئات المستوطنات وجلب مئات آلاف المستوطنين، والسيطرة على القدس وتهويدها؛ وليعلن موت اتفاق "أوسلو" الذي لم يبق منه سوى "التنسيق الأمني"؛ ودفن "حل الدولتين"...
ولم ينتظر الشارع الفلسطيني ومعه العربي والإسلامي وإحرار العالم مواقف القيادة الفلسطينية وقراراتها "الستراتيجية" –التي لم تصدر حتى الآن- ليعلنوا شجبهم وإدانتهم وتنديدهم بالإعلان الأميركي ومواجهته، ولينتفض الشارع الفلسطيني دفاعاً عن القدس ومقدساتها، ويشتبك مع سلطات العدو على امتداد الأرض الفلسطينية، من الضفة المحتلة وقدسها الشريف إلى القطاع المحاصر والداخل المحتل عام 48، مقدما الشهداء والجرحى والمعتقلين والأسرى...
لم ينتظر الشارع الفلسطيني اجتماعات قيادة "منظمة التحرير الفلسطينية" وقراراتها بسحب الاعتراف بكيان العدو الصهيوني؛ ولا إعلان موت اتفاقية أوسلو؛ ودفن مسار التسوية الوهمية والمفاوضات العبثية، ومعهما "حل الدولتين" الموهوم... ولم يصل للشارع الفلسطيني سوى التصريحات العنترية والتهديد والوعيد، التي جاءت على ألسنة العديد من قادة السلطة. فمنهم من أعلن "فتح أبواب جهنم" ومنهم من لمح لإعلان سحب اعتراف المنظمة بكيان العدو، ومنهم من نعى مسيرة "التسوية" و"حل الدولتين" و"المفاوضات"... لكن مع كل تلك التصريحات ظل "التنسيق الأمني" بين أجهزة السلطة وتلك التابعة لكيان العدو قائما ومستمرا!..
وبالرغم من مرور حوالي الشهر على إعلان الرئيس الأميركي ما تزال قيادة ورئيس ومؤسسات "منظمة التحرير" المركزية خارج السمع. ولم تصغ لمطالب القوى والفصائل والحركات الفلسطنيية، بما فيها تلك المنضوية في المنظمة، التي طالبت في بيانات منفصلة بـ"سحب اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بدولة الاحتلال والتنصل من اتفاقية أوسلو (المبرمة بين الطرفين عام 1993)".
وطالبت بـ "إعادة الاعتبار للصراع الشامل مع الكيان الصهيوني، بالاستناد إلى استراتيجية وطنية تحررية، وسحب الاعتراف بإسرائيل".
ودعت المجلس المركزي لمنظمة التحرير إلى تحمل مسؤولياته في إقرار هذه الاستراتيجية، وفِي إنجاز المصالحة وتحقيق الوحدة الوطنية، وإعادة بناء المؤسسات الوطنية؛ وفِي مقدمتها المنظمة.
خطاب عباس والشارع الفلسطيني
وبالرغم من غياب ردود قيادة السلطة على تساؤلات الشارع الفلسطيني طوال هذه الفترة الممتدة من 6 كانون الأول إلى الآن، فقد اعلنت الاوساط الرسمية الفلسطينية الاعلامية والتابعة للمقاطعة، عشية العام الجديد عن خطاب تاريخي مهم سيلقيه محمود عباس في احتفالية راس السنة الميلادية الجديدة... الا ان مضمون الخطاب الذي القي جاء دون المستوى المطلوب، وتجاهل أهم القضايا المثارة في هذا الوقت، وهي المصالحة والقدس وملف زيارة السعودية وما يطرح فيها من قضايا ومشاريع يتردد صداها في وسائل الاعلام.
في مسالة المصالحة مع حركة حماس تجنب الرئيس عباس تماما التحدث في التفاصيل او ما وصلت اليه المصالحة... وهي اليوم في اسوأ احوالها وبدأت نقاط الخلاف والاختلاف تطفوا على السطح وكأنها تمهد لإعلان الفشل. وقد اضطرت مصر، راعية المصالحة لمخاطبة عباس برسالة نقلها عزام الاحمد خلال زيارته الأخيرة للقاهرة، وهي التي تحرص على عدم فشل المصالحة والتنازل عن ورقتها الأمنية والاقليمية بدون ردة فعل تطال السلطة أولا.
وفيما يخص ملف زيارة السعودية الاخيرة لا يزال التكتم الاعلامي والسياسي غير المسبوق سيد الموقف. حيث لم تعلن اي نتائج لهذه الزيارة وان كانت بعض المؤشرات يمكن ان تفتح شهية التوقع.
منذ تاريخ الزيارة خرج تصريح واحد فقط رسمي ويتيم يشكر المملكة العربية السعودية على جهودها .. بعد ذلك قطع الصوت تماما.
ولوحظ بان محمود عباس وفي زيارته الثانية والاخيرة للرياض قام بتخفيض عدد المرافقين إلى شخصين بناء على طلب المسؤولين السعوديين كما جاء في بعض وسائل الإعلام، وهما ماجد فرج وحسين الشيخ، لوقف ومنع تسريب القضايا المثارة والمواقف المطلوب اتخاذها.
اما فيما يخص الاولوية الابرز وهي ملف القدس فقد لخص عباس في خطابه الاخير الموقف بجملة واحدة عمومية تحدث فيها عن عاصمة "الدولة الفلسطينية" دون التطرق لأي تفاصيل او استراتيجية.
ان الشارع الفلسطيني المنتفض اليوم رفضا للإعلان الأميركي، سيجد نفسه أمام المزيد من القرارات الأميركية و"الإسرائيلية" التي تدفع لمزيد من تصعيد وتيرة الانتفاضة المتجددة، دون انتظار لاجتماعات قد لا تعقد ولقرارات قد لا تصدر، أو تكون دون المستوى المطلوب للمواجهة.
فما الذي يحول دون عقد اجتماع للإطار القيادي الفلسطيني الموحد؟.. وإن لم يلتق في مثل هذه الظروف والتطورات ووهذا التصعيد في المواقف الاميركية والصهيونية، فمتى يلتقي؟..
وهل يستدعي عقد اجتماع للمجلس المركزي الفلسطيني كل هذا الوقت من المماطلة والتسويف والانتظار؟..
ولماذا إصرار قيادة السلطة على عقد الاجتماع في رام الله بالرغم من طلب حركتي حماس والجهاد الاسلامي لعقده خارج الضفة المحتلة، فهل يصب هذا الإصرار في توحيد الجهود والقوى الفلسطينية في جبهة المواجهة المفتوحة مع التحالف الاميركي الصهيوني؟..
والسؤال المحوري الذي يطرح نفسه بعد الموقفين الأميركي والصهيوني، هل ستفتح قيادة السلطة "أبواب جهنم"، كما وعدت.. أم أنها ستواصل بحثها عمن يفتح لها أبوابا جديدة للمفاوصات مع كيان العدو الصهيوني، ومسارا تسووياً يفقدها ما بقي في رصيدها من أرض في الضفة التي مزقتها مئات المستوطنات ودنسها حوالي 750 ألف مستوطن؟ ليصح معها ىالقول المأثور "من جرب المجرب كان عقله مخرب"؟!.
إن غداً لناظره قريب!..
