/مقالات/ عرض الخبر

الصراع على فلسطين: صراع ديني أم حضاري؟

2017/12/30 الساعة 07:46 ص

وكالة القدس للأنباء – متابعة

راغدة عسيران

خلال السنوات الأخيرة، تدفّقت التصريحات المؤيدة للكيان الصهيوني من قبل مثقفين عرب ومسلمين، يتخذون من مواقعهم السياسية أو مراكزهم البحثية والدينية منصة للإعلان عن تأييدهم للرواية الصهيونية حول "التاريخ اليهودي" وإقامة "الدولة اليهودية". يحاول بعضهم (أمثال الروائي المصري يوسف زيدان) تشويه التاريخ لصالح الرواية الصهيونية بإنكاره وجود المسجد الأقصى في القدس، ويدّعي بعضهم الآخر (من أمثال الباحث السعودي عبد الحميد الحكيم) أن "القدس رمز ديني لليهود". ينطلق بعض هؤلاء المثقفين من قراءة مجتزأة للقرآن الكريم وكتب تراثية لزعم "أحقية" اليهود في غزو فلسطين، متجاهلين عمداً القراءة المعمّقة والشاملة للوحي، والأبحاث الدقيقة والموثّقة حول التاريخ القديم والشعوب التي عاشت في فلسطين والمنطقة، ومتجاهلين أيضاً التاريخ الحديث وهوية هؤلاء المستوطنين اليهود الذين زحفوا إلى المنطقة واستوطنوا على أنقاض الشعب الفلسطيني، مدّعين "العودة الى أرض إسرائيل"، وكانوا قد اخترعوا، وما زالوا يخترعون، تاريخاً مزيّفاً لم تثبته حفريّاتهم المتواصلة في البلاد منذ الاحتلال.

تبنّى هؤلاء المثقفون الجدد الرواية الصهيونية القائلة بأن المستوطنين اليهود في فلسطين اليوم هم أحفاد من عاش في المنطقة قبل آلاف السنين، كما تبنّوا أكاذيب الحركة الصهيونية التي اختلقت "مقدّساً يهودياً" مزيّفاً على أرض فلسطين، في الوقت الذي يزعمون فيه تقييم المقدّس الإسلامي المرتبط بالأرض المباركة ونقده، باعتبارهم "موضوعيين" يمتلكون المنهج العلمي المعاصر. لقد صدّق هؤلاء أساطير لم يقرأها اليهود حرفياً إلا بعد نشوء الحركة الصهيونية، في حين تخلّوا عن المئات من الوقائع التاريخية الموثّقة، لإرضاء أربابهم المسيطرين على المال والأسلحة في العالم ولتبرير خضوعهم للعصر "الإسرائيلي".

يفترض هؤلاء المثقفون المتصهينون أن من يواجه الكيان المحتل يواجهه بسبب كره اليهود، وليس بسبب كره الظلم والعدوان، كما يزعم الكيان الصهيوني تماماً، الذي ينعت كل من يرفض وجوده أو حتى من ينتقد إجرامه بـ"المعاداة للسامية" (كون الصهاينة يعتبرون أنفسهم ممثلين للجنس السامي) ويعتبر أي رفض لكيانه ولممارساته عدواناً عليه وعلى "حقّه" المزوّر. كما يفترضون أن مواجهة العدوان هي سمة الحركات السياسية (الناصرية أو الإسلام السياسي بنظر الباحث السعودي عبد الحميد الحكيم) وليست من صلب التعاليم الإسلامية التي ترفض الظلم والعدوان والاستغلال وكل ما يمثله هذا الكيان وأعوانه في العالم، في حين شكّلت هذه التعاليم العامل الأساسي لحماية الأمة عبر التاريخ، والتي تسعى لإزالتها اليوم القوى المتغطرسة في العالم.

يريد هؤلاء المثقفون المتصهينون العودة بنا إلى تاريخ شوّهته القراءات الاستعمارية الغربية بدلاً من النظر إلى الواقع الفاضح للمستعمرين اليهود والمتعاونين معه في العالم.

لم يخترع المستوطنون الصهاينة كيفية استغلال الدين وسذاجة المغفّلين للسيطرة على أرض الغير وإبادة شعوبها. لقد سبقهم المستوطنون الإنجليز باختراع تاريخ "مقدّس" لإبادة شعوب أميركا الأصليين واستعباد الشعوب الأفريقية، كما سبقهم المستوطنون الهولنديون وغيرهم من الأوروبيين لاستعمار إفريقيا الجنوبية وأستراليا. فاختراع تاريخ "مقدّس" واستغلال المعتقدات الدينية للسطو على أملاك الغير معلم من معالم الحضارة الغربية التي أبادت شعوباً بأكملها بحجة التقدم والرقي. من هذا المنطلق، فإن كذبة "المملكة اليهودية" في فلسطين التي يروّج لها الصهاينة تؤمن لهم شرعية دينية لاستعطاف العالم الغربي الذي اقترف مجازر بحق اليهود، وتساعدهم على جذب اليهود من كافة أنحاء العالم للاستيطان مكان الفلسطينيين، والادعاء بأن الكيان الصهيوني يمثل اليهود في العالم، تاريخياً وحاضراً.

من الناحة الأخرى، ترفض جهات عربية "علمانية"، بما فيها فلسطينية، الخوض في ما تعتبره "صراع ديني" مفتعل من قبل كيان العدو، عندما يستحضر تاريخه المزيّف ويقوم بإجراءات تهويدية لمعالم فلسطين، لجرّ المنطقة إلى حروب دينية، كما تؤكد على أن صراعها ضد المحتلين الصهاينة هو صراع سياسي، بدأ مع احتلال فلسطين في بداية القرن الماضي. لقد ألغت من قاموسها وفكرها قداسة الأرض الفلسطينية التي احتلها الصهاينة، وما تعني وتمثّل هذه القداسة لشعوب الأمة، خشية من الوقوع في حرب دينية بين المسلمين واليهود كما تظن، واستبدلتها بـ"المقدس الوطني"، كما يصفه الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، الدكتور رمضان شلح، المجرّد من الحق المطلق والتابع لموازين القوى.

يحشد "كيان العدو "المقدّس المزيّف" لتدمير وإزالة فلسطين عن الجغرافيا وتشويه التاريخ"، وهو "مقدّس له علاقة بالتوراة والتاريخ والهوية والثقافة كما يزعمون" (د. رمضان شلح)، ويعطَّل في المقابل المقدس الديني الحقيقي لئلا تنسحب المنطقة نحو الحرب الدينية، وفقا لقراءة مجزأة للصراع.

هل استحضار المقدس الديني الإسلامي في الصراع لمواجهة "المقدّس المزيّف اليهودي" في فلسطين والتمسك بالحق المطلق مقابل الباطل المطلق، لمواجهة الأصوات التي تدّعي الواقعية السياسية وتفرّط بالقضية، يعنيان شنّ حرب دينية على اليهود ؟ يجيب د. رمضان شلح : " بالتأكيد لا...، فإننا لا نقاتل اليهود لأنهم يهود، أو من أجل أن يتحولوا إلى مسلمين. نحن نقول إن المعركة مع اليهود هي على فلسطين. هي بسبب الظلم الذي وقع علينا باغتصاب أرضنا وتشريد شعبنا. فلذلك نحن سنقاتل اليهود في فلسطين حتى لو أسلموا. فلو أسلم اليهود وتشبثوا بفلسطين بهذا الظلم وهذا البغي والعدوان فالحكم الشرعي هو قول الله تعالى «فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله»."

استحضار المقدس الديني الإسلامي في الصراع مع المستعمرين الصهاينة، الذي يشوّهون يومياً الأرض والتاريخ، يعني تثبيت الحق المطلق في فلسطين لمواجهة الأصوات الشاذة في الأمة، التي تجتر الرواية الصهيونية، وتعيد فلسطين إلى الأمة بدلاً من حصرها بين أيدي "المجتمع الدولي" والأمم المتحدة والأنظمة والحكام. كما أن استحضار المقدس الديني الإسلامي وفتح آفاق التاريخ كله يوضحان معالم الصراع الذي نخوضه اليوم ضد من غرس هذا الكيان في قلب الأمة وضد من يشارك في تثبيته وتكريس تشتت الأمة : "هذا صراع حضاري شامل بكل أبعاده وبكل مكوناته العقدية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والاستراتيجية والإنسانية وغيرها. .. هذا صراع وجود لا صراع حدود، أن نكون أو لا نكون. هذا صراع على التاريخ والجغرافيا، وعلى الدور والمكانة في العالم" كما وضّح الدكتور رمضان شلح، أكثر من مرة.

إنكار المقدس الديني الإسلامي لتجنب "حرب دينية"، كما تعلن بعض الأصوات الفلسطينية والعربية، هو بتر الوجود الفلسطيني والعربي والإسلامي عن امتداده التاريخي وجذوره العميقة في فلسطين، لصالح رواية تاريخية مزيّفة اخترعها المستعمرون الغربيون لمواصلة حربهم الشاملة ضد وجودنا كأمة "تملك مفردات القوة من الأيديولوجيا الحية الباعثة إلى الجغرافيا العبقرية إلى التاريخ الملهم الموحد إلى الإمكانات البشرية والمادية الهائلة" (الشهيد فتحي الشقاقي).

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/120247

الأخبار الرئيسية

الأكثر قراءة

اقرأ أيضا