مقال بقلم / راغدة عسيران
كثيرا ما كتب الشهيد فتحي الشقاقي، مؤسس حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، عن مفردات القوة في الأمة، وهي "الأيديولوجيا الحية الباعثة" و"الجغرافيا العبقرية" و"التاريخ الملهم الموحّد" و"الإمكانات البشرية والمادية الهائلة"، وهي المفردات القادرة على انتزاع حقوق الأمة وتحرير فلسطين.
هذه المفردات، العقيدة والتاريخ والجغرافيا والإمكانات البشرية والمادية، موجودة غير أنها غير منتظمة، وتفتقد الى الوعي بها، للتخلص من حالة الوهن الذي أصاب الأمة منذ أكثر من قرنين من الزمن، حين تمكّنت "القابلية للاستعمار" من شّل قدراتها وشرّعت الأبواب للغزوات الغربية. بسبب وجود هذه المفردات، اعتبر الشهيد أن "مسالة تحرير فلسطين هي مسالة مشروع ينظم إمكانية الأمة"، فطرح مسألة الوعي، كمقدمة لمعركة التحرير الشاملة، تحرير الأرض والانسان والإرادة، كما طرح مسألة تنظيم أو انتظام هذه الإمكانات أو المفردات، بين المهم والأهم والمركز، وهي القضية الفلسطينية، أي الغزو الصهيوني لفلسطين الذي توّج الغزو الغربي العسكري والفكري والاقتصادي "للحوض العربي الإسلامي".
أثبتت عدة مشاهد خلال الفترة الأخيرة أن انتظام هذه المفردات، بعد الوعي بأهميتها، يدعم ويساهم في عملية التحرير والتحرّر. في حين تمرّ انتفاضة القدس بمراحل مد وجزر، على وقع عمليات الطعن وإطلاق النار من جهة والقمع الإرهابي الصهيوني للمجتمع الفلسطيني وملاحقة الثوار من قبل أجهزة السلطة الفلسطينية، من جهة أخرى، شهدت مدينة القدس المحتلة نهضة جماهيرية واسعة للتصدي للعدوان الصهيوني على المقدسات والمسجد الأقصى المبارك في شهر تموز الماضي، أسفرت عن تراجع قوات العدو عن إجراءاتها التهويدية. كانت الحكومة الصهيونية قد استغلت الحروب والصراعات العربية الداخلية لتوجيه طعنة قاتلة لمدينة القدس والمقدسيين، والعرب والمسلمين جميعاً. ففشلت وتراجعت أمام المد الجماهيري، لأن الشعب الفلسطيني بكل مكوّناته الشعبية والسياسية قد تسلّح بوحدته ووعيه وترتيب أولوياته. أعادت هذه الهبّة الجماهيرية القدس ومصيرها إلى وعي الأمة، ما يدلّ على أن أي تحرك ضد المحتل يلاقي استجابة جماهيرية واسعة، رغم الأوضاع المأساوية التي تعيشها الشعوب العربية في هذه الأيام، أي أن التاريخ والجغرافيا والعقيدة "الراسخة" وإمكانيات الأمة "الهائلة" تخرج إلى العلن كلما تنطق المقاومة ضد العدو.
ظهر ذلك أيضاً في التفاف جماهير فلسطين في الوطن واللجوء، وجماهير الأمة، حول العمليات التي تضرب الكيان وجنوده ومستوطنيه، ودعمها لمن يتصدى من العرب والمسلمين للغطرسة الصهيونية. قبل أسبوع، قام رئيس مجلس الأمة في الكويت مرزوق علي الغانم، بطرد وفد الكيان الصهيوني من مؤتمر الإتحاد البرلماني الدولي المنعقد في مدينة سان بترسبورغ، بعد إلقائه كلمة عبّرت عن مشاعر الملايين من أبناء الأمة، بقوله إن كيان العدو يمثل أخطر أنواع الإرهاب. الملفت في هذه الحادثة أنها أتت في وقت تعددت فيه المبادرات التطبيعية الرسمية وغير الرسمية مع العدو، التي أعطت انطباعاً بأن مسار التطبيع قد هيمن على المشهد العربي، حكاماً وشعوباً، حيث بات العدو يتبجح بكونه جزءاً من المنطقة. وإذ به يُطرد وفده من مؤتمر دولي، بفعل عضو برلماني عربي واحد، نطق بجملة واحدة، سرعان ما أيّدته فيها البعثات العربية وأخرى دولية، ثم جماهير الأمة التي تناقلت كلمته وصفقت له، قبل أن يعود الى وطنه وسط ترحيب رسمي وجماهيري، وذلك لأنه جعل من فلسطين القضية المركزية ونطق بالحق. تشير هذه الحادثة الى أن التسلّح بالإرادة المستقلة، والتناغم مع الوعي الشعبي وتنظيم الأولويات بوضع القضية الفلسطينية في صدر القضايا العربية يقود إلى إحراز انتصارات معنوية ضد العدو، تبشّر بانتصارات فعلية على الأرض، إذا التفّت الجماهير حول مقاومة العدو، وهذا ما طالب به الشهيد فتحي الشقاقي عندما قال "المخرج الحقيقي موجود وهو استثمار منابع القوة في أمتنا ودعم وإسناد الانتفاضة والمقاومة في لبنان وتعميمها قدر الاستطاعة وهذا يحتاج إلى جبهة إسناد حقيقية من القوى الحية".
تساءل في مكان آخر كيف استطاع "الغازي والطارئ القادم من وراء البحار، والمنقطع الجذور، أن يستبدّ بالأمة وهي تملك الجغرافيا العبقرية والتاريخ المجيد، وتملك الإمكان البشري الهائل والثروات بلا حدود كما تملك الأيديولوجيا الحية الباعثة" لولا "بعثرة" هذه المفردات وغياب الرؤى الواضحة وعدم تنظيم الأولويات، "بفضل الحكام المستلبين والمضبوعين أمام الجبروت الأمريكي الصهيوني". تجلّت صورة هولاء "المضبوعين" بمبادرات التطبيع الرسمية وغير الرسمية مع العدو، وبالتصريحات المسيئة والمؤذية لشعوب المنطقة، كالتصريحات التي تحرض على اللاجئين بدلاً من توجيه الاتهامات ضد سياسة الكيان في الأروقة الدولية، ودعم حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم، والدفاع عن المقاومة والمقدسات، المسيحية والإسلامية، المستباحة من قبل العدو الصهيوني، أي ترتيب الأولويات ووضع القضية الفلسطينية في قمة الاهتمام العربي. وهي تصريحات مهينة لشعوب المنطقة، تصرّ على التنكّر للتاريخ والجغرافيا التي تجمعها، فضلاً عن المفردات الأخرى الباعثة للقوة والصمود في وجه القوى المهيمنة اليوم على العالم.
الصراع قائم اليوم بين "المضبوعين" من جهة، وبين من يمتلك الإرادة الحرة والواعية لمفرادات الصمود والمقاومة واستعادة الثقة بقدرات الأمة من جهة أخرى. هناك من جهة، السعي وراء الامبريالية الأميركية والدول الغربية والمجتمع الدولي، فـ"نعطّل مكامن القوة في داخلنا ونستجدي بضعفنا عطف الشيطان" كما وصف الشهيد فتحي الشقاقي الحال؛ ومن جهة أخرى، هناك إمكانية تحقيق المعجزات: "ما لو أعيد نظم وصياغة (مفردات القوة المبعثرة)، لحققت المعجزة"، وهناك مبادرات تطبيعية تتغلغل في مجتمعاتنا من جهة مقابل مبادرات لمواجهة التطبيع، ولكنها ما زالت مبعثرة وغير منتظمة من جهة أخرى، رغم انطلاقها من الوعي الشعبي بمفردات القوة.
لم ينكر الشهيد الشقاقي موازين القوى الدولية المؤيدة للكيان الصهيوني، بل على العكس، فهي "سبب جوهري أمام الإنسان للنضال من أجل تغييرها، وبالنسبة لنا فهذا ليس مستحيلا بل ممكن إن لم يكن حتمياً، فالأمة تملك مفردات القوة .."، وذلك في أوجّ الهجمة الأميركية على الأمة، في تسعينيات القرن الماضي، لأن المعركة شاملة، غير محصورة بالسلاح حيث التفوّق "الإسرائيلي" واضح، إضافة الى التفوّق الغربي. إلا أنه تسلّح بـ"مفردات القوة" لدى الأمة لتعطيلها، تلك المفردات التي منعت إلى الآن السيطرة الأميركية – الصهيونية الشاملة على المنطقة، وأي تسوية دولية معادية لحق الشعب الفلسطيني بأرضه ووطنه، وجعلت من ثقافة المقاومة ثقافة شعبية في فلسطين على الأقل. في نظر الشهيد الشقاقي، المسألة هي في وعي لهذه المفردات، التي تلغي القابلية للانكسار وثقافة "المضبوعين"، وفي تنظيمها بجعل القضية الفلسطينية في المركز، لأن "فلسطين هو مقتل المشروع الاستعماري، (و) «إسرائيل» هي قلب هذا المشروع".