بقلم: راغدة عسيران
أثارت مسيرة أريحا التطبيعية قبل أسبوع، عدداً من ردود الفعل المتباينة. في حين اعتبرتها فصائل المقاومة وعدد من منظمات العمل الأهلي عملاً تطبيعياً فاضحاً، وطالبت بمحاسبة القائمين عليها وحلّ "لجنة التواصل مع المجتمع الإسرائيلي"، رفض بعض الكتاب اعتبارها "تطبيعية"، لأنها أتت ضمن سياسة منظمة التحرير الفلسطينية، الداعية إلى دعم التيارات "الإسرائيلية" المناهضة للاحتلال، وأن هذه المسيرة التي ضمت نساء "إسرائيليات" وفلسطينيات من الداخل المحتل عام 48 من أجل "السلام"، تبنّت شعار "الدولتين"، أي برنامج المنظمة والسلطة الفلسطينية.
منذ سنوات، تقوم هذه اللجنة المنبثقة عن منظمة التحرير الفلسطينية المسماة "لجنة التواصل مع المجتمع الإسرائيلي" بتكريس التطبيع مع كيان الاحتلال، من خلال دعوة فئات مجتمعية متنوعة من المستوطنين إلى زيارة الضفة الغربية المحتلة واللقاء مع المسؤولين الفلسطينيين، والمشاركة في مؤتمرات تدعو إليها جهات صهيونية في الكيان، دون أن تثير كافة هذه الممارسات التطبيعية ردود فعل شاجبة، باعتبار أنها منسجمة مع نظرة السلطة الفلسطينية المنبثقة عن اتفاقيات أوسلو التي اعترفت بـ"شرعية" وجود الكيان الصهيوني على 80% من أرض فلسطين. ولكن ما أثار غضب الفلسطينيين هذه المرة، بالنسبة لمسيرة أريحا، هو حجم المشاركات في المسيرة (قيل بالآلاف) والدعوة "الرسمية" التي وجهت إلى نساء الضفة الغربية للمشاركة فيها، فاعتبرت استفزازاً لمشاعر الناس، كونها توجّهت إلى الضفة الغربية بالذات، التي تعاني من توسع الاستيطان الصهيوني على حساب الأرض والإنسان، وكأنها زحف استيطاني آخر بموافقة السلطة الفلسطينية. فكيف يتم دعوة الفلسطينيين في الضفة الغربية إلى المشاركة إلى جانب "إسرائيليات" يعشن في مستوطنات في الأراضي المحتلة عام 1948 وشاركن في الحروب ضد الفلسطينيين كمجندات، ولهن أبناء وبنات يشاركون في جيش العدو ويرتكبون شتى أنواع الجرائم اليوم؟
تكمن المشكلة أساساً في وجود هذه اللجنة، المؤلفة بهدف التطبيع مع العدو، بحجة اختراق المجتمع الصهيوني؛ غير أنها فعلياً تواصل ما أقدمت عليه اتفاقيات أوسلو من تجزئة القضية الفلسطينية، وتجزئة الشعب الفلسطيني، جغرافياً وسياسياً واجتماعياً، باعتبار فلسطينيي 48 "مواطنين إسرائيليين"، يتم التعامل معهم، من خلال نظرة السلطة الفلسطينية إليهم، كجزء من المجتمع "الإسرائيلي" وليس كجزء من الشعب الفلسطيني.
المشكلة تكمن أيضاً في اعتبار الأراضي المحتلة عام 1948 من "حق" الكيان الصهيوني؛ وتقزيم القضية الفلسطينية إلى أراضي الـ67، أي الضفة الغربية وقطاع غزة، و"القدس الشرقية"، وأن الصراع مع العدو هو فقط لاستعادة الضفة الغربية و"القدس الشرقية"، بعد الانسحاب الصهيوني عن قطاع غزة. يبرّر هذا التصوّر المشوّه لفلسطين وشعبها التعامل مع مجتمع المستوطنين، ودعوة فئات منه إلى زيارة "دولة فلسطين" والتعامل مع أبنائها ومسؤوليها، وتبادل الزيارات بين "المجتمعين"، أي أنه يبرّر التطبيع العلني، فكراً وممارسة.
أدخلت اتفاقيات أوسلو ثقافة التطبيع إلى بعض فئات المجتمع الفلسطيني مقابل ثقافة المقاومة التي سادت منذ احتلال فلسطين عام 1948. تبث ثقافة التطبيع مع الصهاينة، أو "الإسرائيليين"، مفاهيم ومصطلحات أصبحت شائعة في الوقت الحاضر، مثل مصطلح "شطري الوطن" للإشارة إلى الضفة الغربية وقطاع غزة، وكأن "ما بين شطري الوطن" ليس الوطن الأصلي الذي يطالب اللاجئون بالعودة اليه، وحيث يعيش مليون ونصف فلسطيني تحت رقبة الاحتلال. تعتبر ثقافة التطبيع أن "المستوطنين" هم فقط من استوطن في الضفة الغربية والقدس، ولا يشمل "المواطنين الإسرائيليين اليهود" في أنحاء فلسطين، في طبريا مثلاً أو عكا وبئر السبع. يكثر الحديث عن "المساواة" بين فلسطينيي 48 و"الإسرائيليين"، كحل لوضع فلسطينيي 48، ما يعني في نهاية المطاف أن وجود "إسرائيل" بات معترفاً به في ذهن الكثير، رغم الحديث عن التحرير والعودة. تحرير ماذا والعودة إلى أين؟ ثقافة التطبيع المبنية على الاعتراف الضمني بوجود الكيان الصهيوني على أرض فلسطين وعدم القدرة على تحرير فلسطين، تسبق التطبيع الفعلي، وتسمح له بالانطلاق والتغلغل في المجتمعات العربية، وليس فقط في المجتمع الفلسطيني.
من هنا، تأتي أهمية ثقافة المقاومة، الوحيدة القادرة على محاصرة التطبيع وثقافة التطبيع، لأنها تقف على أرضية صلبة، تستمد عناوينها ومكوناتها من التاريخ، القديم والحديث، ومن الواقع اليومي الذي يعيشه الشعب الفلسطيني، وتعيشه الشعوب العربية في ظل الهيمنة الصهيو- أميركية. لا أحد يحتاج إلى المبالغة في وصف الواقع، ولا الى استحضار روايات من شعوب أخرى. بل يكفي وصفه كما هو بكل بشاعته، لإثارة النفور من التواصل مع كل صهيوني استوطن في فلسطين، مهما أبدى استعداه لتقبّل "الآخر"، لأن تقبّله للآخر ينطلق مما يعتبره "حقاً" له.
في ظل اختلال موازين القوى في العالم لصالح الاستعمار الصهيوني، وفشل تجارب التحرير حتى الآن في منطقتنا، تبث النخب الساعية إلى التطبيع والمشاركة في النهب والسيطرة إلى جانب قوى الاستعمار، لوهم "الدولة الفلسطينية إلى جانب إسرائيل"، وتستمد "شرعيتها" من اتفاقات وقرارات دولية، وليس من الشعب الذي يقاتل الاحتلال ويقاوم يومياً، بطرق مختلفة، النهب الصهيوني وزحف المستوطنين ومشاريعهم، في النقب كما في الخليل، وفي يافا، كما في القدس ونابلس. تقف ثقافة التطبيع على أرضية تجزئة الشعب الفلسطيني، وتجزئة القضية، في حين تقف ثقافة المقاومة على أرضية وحدة الشعب الفلسطيني، ووحدة الأرض، وهي الأرضية الحقيقية الصلبة، وللاجئين وتطلعاتهم إلى العودة والتحرير دوراً ريادياً في إضعاف وتراجع ثقافة التطبيع، لأن إثارة مسألة عودة اللاجئين إلى أراضيهم وقراهم ومدنهم يعيد أولاً إلى الذاكرة كيف تم الاستيلاء على فلسطين، وأن هؤلاء "اليهود المسالمين" جاؤوا من وراء البحار لإزالة فلسطين عن الخارطة وطرد شعبها، وهم مستمرون في تلك العملية في القدس والضفة الغربية اليوم، كما تنسف مقولة "الأقلية العربية" التي تروّج لها دولة العدو، حين تتبجح بـ"ديمقراطيتها" وتسوّق أنها تحترم الأقليات؛ إذ إن هذه "الأقلية العربية" تشكّل فعلياً جزءاً من الشعب الذي تم طرده من فلسطين والذي يطمح الى العودة. فهي ليست أقلية بل صاحبة البلاد، والأقلية، هم اليهود الذين كانوا يعيشون في فلسطين قبل الهجمة الاستعمارية في أوائل القرن الماضي.
ثقافة المقاومة هي التأكيد على هذه الحقائق والتشبث بالحق الفلسطيني بكل الأرض والسعي لتحريرها من أيدي المغتصبين، واستعادة الثقة بالنفس وبإمكانية الانتصار على الطارئ الصهيوني. وبدلاً من التواصل مع المجتمع "الإسرائيلي"، من الأفضل التواصل مع أهل النقب وحيفا وأم الفحم والبحث عن أشكال العمل المشترك ضد العدو، وهذا ما تقوم به لجان وجمعيات مختلفة، بعيداً عن الأطر الحزبية الرسمية.
ترسيخ ثقافة المقاومة، في المجتمع الفلسطيني والمجتمعات العربية والإسلامية، لمحاصرة موجة التطبيع، يتطلب المزيد من الوعي بمخاطر العلاقة مع المحتل الصهيوني، كما يتطلب المزيد من الوعي بالقضية الفلسطينية، وتاريخ شعبها الذي قاوم المحتلين البريطانيين الذين وعدوا الصهاينة بـ"وطن" على أرض فلسطين (وعد بلفور) وحارب المستوطنين ومؤسساتهم منذ بداية عملية الاستيطان، وقدّم الآلاف من الشهداء على هذا الدرب، والمزيد من الوعي التاريخي لكشف الأساطير والأكاذيب الصهيونية على مر العصور. ويتطلب ترسيخ ثقافة المقاومة، لدى الشعوب العربية والإسلامية، الربط بين واقعهم وبين إقامة هذا الكيان الاستعماري في فلسطين، والعلاقة بين وجوده من جهة والتبعية الاقتصادية والثقافية والسياسية لدولهم بالدول الغربية، الحاضنة والمؤيدة لكيان العدو.