قائمة الموقع

كيف قتلت الوِحدة قلب معاذ؟

2017-08-31T12:21:50+03:00
الشاب معاذ الحاج
غزة – وكالة القدس للأنباء

لا يزال اسم الشاب الفنان، معاذ الحاج، يتناقل بحزنٍ بالغ على ألسنة الفلسطينيين -تحديداً سكان قطاع غزة-، فوفاة الشاب الموهوب بسكتة قلبية قبل أيام لم تمر كغيرها من الوفيات التي تزايدت مؤخراً بين شريحة الشباب الغزي، بل تركت نُدوباً كبيرة في قلوب الكثيرين.. فما قصة معاذ؟ ولم فُجعت غزة برحيله؟ 

قصة معاذ الذي فارق الحياة وحيداً كما عاشها تماماً، بهدوء دون صخب كما شخصيته، تحدث عن تفاصيلها قريبه وصديقه علاء الحاج، الذي بين أن معاذ (30عاماً) رسام كاريكاتور من سكان مدينة النصيرات وسط قطاع غزة، وهو أصغر أبناء عائلته، والذكر الوحيد إلى جانب ثلاث شقيقات.
ويبدو من التفاصيل أن الحزن رافقه منذ بداية حياته، إذ توفيت والدته حين كان يبلغ من العمر عاماً واحداً فقط؛ ومنذ ذلك الوقت، أخذ الحزن يتفشى في قلبه، وهو يتفقد من حوله، ويبحث عن رائحة يعرفها جيدًا، عن لمسة ما زال جسده يقشعر لها، يبحث في كل الوجوه وكل الروائح، لكنه عبثًا، لا يجدها سوى في الخيال، لأن الذكريات أيضًا لم تسعفه، فصاحب العام الواحد لا يتذكر أمه أو أياً كان.
عاش معاذ مع شقيقاته وعائلته في دولة الإمارات التي عمل فيها والده بعدما تزوج من شقيقة زوجته الراحلة – خالة معاذ -، وقامت برعايته مع شقيقاته بكل حب حتى تزوجت اثنتين منهم واستقرتا في غزة، وتزوجت الثالثة في الإمارات.
وكعادة العائلات المغتربة التي تؤثر تعليم أولادها الجامعي في وطنهم الأم، غادر معاذ الإمارات مُتوجهاً إلى غزة ودرس إدارة الأعمال في الجامعة الإسلامية، ومارس خلال دراسته موهبته الفنية المتمثلة برسم الكاريكاتور.
وما لبث يتأقلم على عيشه يتيم الأم حتى صفعته الحياة الصفعة الثانية، حيث فُجع بعد أقل من سنة من تواجده بغزة بوفاة والده بعد صراع مع مرض السرطان، ليحكم القدر عليه بالوحدة تماماً، حيث بقي وحيداً 11 عاماً في منزل عائلته بغزة، وعاش حياته بين أصدقائه وأقربائه، ورغم ذلك يبدو أن قلبه كان لا يزال يشعر بالوحدة كما يتضح من رسوماته الإبداعية ومنشوراته عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
قال عنه أحد أصدقائه: "كان من هؤلاء الذين يسيرون على الأرض فتحملهم قلوبهم وليس أرجلهم، هؤلاء العالمون الحالمون الذين يعيشون بالحب، لا يكرهون أحداً، ولا يتآمرون على أحد، هؤلاء الذين تسرّهم البسمة والألوان، والموسيقى، وأفلام الأطفال وصوت البحر وحفيف الشجر".
"تذكرونا، نحن أيضاً قد عشنا، أحبننا وضحكنا".. عبارة كتبها معاذ على صفحته الشخصية على الفايسبوك قبل وفاته بأيام وكأنه شعر بدنو أجله.
استمرت محاولاته للحصول على ما يخفف من حزنه وفقده.  فعرف من عرف من أصدقاء، وما حضر من أفلام، وما قرأ من كتب وما استحضر من اللاشعور، لكن ذلك أتعبه كثيرًا، حتى انسدت شرايين قلبه ألماً فتوقف عن النبض بعدما أصابته سكتة قوية.
يقول صديقه علاء:" كل هذا أتعبه، فأشفق القلب عليه، وغافله في ليلة ليلاء كان فيها معاذ نائمًا، أظنه كان في حالة تواصل مع تلك الرائحة التي يعرفها جيدًا، فقرر القلب أن لا يقطع ذلك التواصل، وتلك البسمة التي ترتسم على الشفاه في لحظات الحلم الجميل، فأخذ يتوقف رويدًا رويدًا عن ضخ الدم في الشرايين، وراح يضخ الرائحة التي يعرفها معاذ جيدًا، حتى امتلأ الجسد بها، فصار خفيفًا فطارت الروح إلى أحبتها".
رحل معاذ وحيداً في منزله ولم تُكتشف وفاته إلا بعد يومين، بعدما شعر أصدقاؤه بأن هناك شيئاً مُقلقاً خاصة أنه لا يرد على اتصالاتهم جميعاً، فتجمعوا عند باب المنزل وطرقوه دون استجابة، ما دفعهم بقرار من كبار عائلته لخلع الباب، ليجدوه جثة هامدة.
للوهلة الأولى، اعتقدوا أنه لا يزال نائماً بأمان لاتخاذه وضعية نومه التي اعتاد عليها أصدقاؤه  - على جنبه اليمين ويده تحت رأسه - إلى أن اكتشفوا الفاجعة التي ألمت بعائلته وأصدقائه.
معاذ كان يروي الأمل في رسوماته التي احترفها منذ كان طفلاً، تلك الرسومات التي تحكي خياله الواسع وشخصيته الفريدة، وأصدر سلسلة (كاريكاتير) أطلق عليها اسم "الأمل المتشظي" وضع بها خارطة لعيش الحياة بحب وبساطة وتفاؤل وطمأنينة، وضع خارطة لأبناء مدينته المحاصرة يعلمهم كيف يخلقوا حياة جميلة من واقعهم الكئيب، كيف يخرجوا النور من داخلهم دون مساعدة أحد.
المؤذي من قصة معاذ أن موهبته الفذّة لم تكتشف إلا بعد وفاته حزناً وقهراً، وقد يكون محظوظاً بإحداثه أثراً كبيراً بعد رحيله، قد لا يُكتب لمواهبٍ أخرى دفنتها ظروف غزة المحاصرة إلى غير رجعة.

اخبار ذات صلة