قائمة الموقع

تحديات ما بعد أزمة الأقصى

2017-08-08T12:35:07+03:00
عدوان على المسجد الأقصى

انتصر المقدسيون، بحمد الله وتوفيقه، واستطاعوا فرض إرادتهم الوطنية وإفشال ما كانت تخطط له الحكومة "الإسرائيلية" للأقصى. كانوا يريدون، من خلال إجراءاتهم الإدارية سواء كانت البوابات الإلكترونية، أو كانت كاميرات مراقبة متطورة، أن يعلنوا للعالم أنهم، وليس غيرهم، أصحاب السيادة والقرار على المسجد الأقصى باعتباره يقع فى قلب القدس التى يؤكدون ويقسمون أنها عاصمة أبدية لدولتهم «اليهودية».

تراجع "الإسرائيليون" لأسباب كثيرة، أهمها بالقطع، هو الصمود البطولي لأهل القدس وشعب فلسطين، لكن كانت هناك أسباب أخرى لا تقل أهمية منها مثلاً ما يشاع عن «تفاهمات إسرائيلية- أردنية» أو «صفقة إسرائيلية- أردنية» مضمونها سماح الأردن بمغادرة حارس السفارة "الإسرائيلية"، الذى قتل اثنين من الأردنيين، إلى "إسرائيل" دون مساءلة مقابل إخلاء الأقصى من البوابات الإلكترونية، ومنها المناورة مع حكومات عربية صديقة لاحتواء خطر اندلاع انتفاضة فلسطينية أخرى تربك حسابات «التفاهمات المشتركة» حول «التحالف ضد إيران»، وأياً كانت الأسباب هناك معنى محدد يجب الوعي به وهو أن التراجع "الإسرائيلي" بخصوص فرض السيادة "الإسرائيلية" على الأقصى هو تراجع مؤقت، وأن المعركة مستمرة ومرتبطة بالمشروع "الإسرائيلي" للسلام، وبإصرار "الإسرائيليين" على أن تكون «القدس الموحدة» عاصمة أبدية للدولة اليهودية، وهدم المسجد الأقصى وإعادة بناء الهيكل المزعوم مكانه باعتبار أن إعادة بناء الهيكل هو الإعلان النهائى لاستعادة المجد اليهودي على «أرض الميعاد» المزعومة.

قبل شروع حكومة بنيامين نتنياهو باتخاذ قرار إقامة بوابات إلكترونية لتنظيم دخول المصلين إلى المسجد الأقصى كانت هناك إجراءات أخرى كلها كانت تصب فى مجرى فرض السيادة الكاملة على القدس والمسجد الأقصى والتوسع الاستيطاني لضم معظم الضفة إلى الكيان الصهيوني. من بين هذه الإجراءات مشروع القانون الذي قدمه زعيم حزب «البيت اليهودي» وزير التربية اليميني المتطرف نفتالي بينيت بخصوص منع أي نوع من الانسحاب "الإسرائيلي" من القدس، كان هذا المشروع ينص على «عدم تسليم أراضٍ فى القدس إلا بموافقة أغلبية 80 عضو كنيست (برلمان) من مجموع الـ120 عضواً (أعضاء الكنيست)»، وقال بينيت فى تغريدة على حسابه فى «تويتر» إن الهدف من مشروعه "التوضيح مسبقاً أن القدس ليست مسألة للمفاوضات".

هذا المشروع الذي تمَّ تأجيله أو تجميده بقرار من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو جاء مصحوباً بصخب وضجيج إعلامي فى رسالة «حسن نية» للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تقول إن «إسرائيل ليست هي من يعرقل مساعي السلام بل الفلسطينيون والعرب». لكن الواقع الفعلي كان غير ذلك تماماً،

فقبل ثلاث سنوات أقر الكنيست ما يُعرف بـ «قانون أساس»، أي قانون شديد الخصوصية ومن ثوابت الدولة نصه أن «أي تسليم أراض ضمتها إسرائيل إلى سيادتها لا يتم إلا من خلال حصوله على أغلبية 80 نائبا لكن فى حال حصل على 61 نائباً، كحد أدنى، يتم البت النهائى فى استفتاء عام». الفارق هنا بين هذا القانون الذي تم إقراره وساري المفعول ويمنع فعلياً أي انسحاب من القدس أو أيا من الأراضي المحتلة وبين مشروع القانون الذي تم تجميده هو أن مشروع نفتالي بينيت كان يعتبر موافقة الـ 80 نائباً شرطاً أساسياً ونهائياً دون لجوء إلى الاستفتاء العام الذي قد يقر الموافقة على أية انسحابات.

هذا يؤكد أن الحكومة ورئيسها بنيامين نتنياهو ليسا أقل تشدداً بخصوص القدس من زعيم المستوطنين المتطرفين نفتالي بينيت، بدليل أن نتنياهو عقد، وللمرة الأولى، اجتماعاً لحكومته يوم 28 مايو/أيار الماضي فى «ساحة البراق» التي يسمونها «حائط المبكى» بالقدس المحتلة ضمن إطار احتفالاتهم بالذكرى الخمسين لاحتلالها وضمها إلى الكيان الصهيوني. وخلال هذا الاجتماع أعلن أن حكومته ستصادق على سلسلة من القرارات التى من شأنها «مواصلة تعزيز (مكانة القدس)». واستهل حديثه بالقول: «إن الحكومة تعقد جلستها فى هذا المكان بالذات بمناسبة تحرير القدس وإعادة توحيدها». معتبراً أن «ساحة البراق» هى «القلب النابض» لما وصفه بـ "الشوق اليهودى الذى عاد بعد آلاف السنين لبناء عاصمته الموحدة فيها".

هذه هي المواقف الثابتة والحقيقية لقادة الكيان بخصوص القدس والمسجد الأقصى والانسحاب من الأراضي المحتلة، لكن ما هو أهم، هو المشروع السياسي، أي مشروع حل الصراع فى فلسطين. فوسط كل الاضطراب العربي وضمن مساعي رئيس الحكومة "الإسرائيلية" للتحالف مع دول عربية يجري تمرير أفكار "إسرائيلية" تشكل جوهر مشروع إنهاء الصراع، ويتم تسويقه لدى الإدارة الأمريكية والحكومات العربية الصديقة، من بين هذه الأفكار ما نشرته صحيفة «هاآرتس»، تحت عنوان: "مبادرة السلام الإسرائيلية".

أفادت الصحيفة أن هذه المبادرة «ترمي إلى تحقيق حل شامل ومتعدد الأطراف للنزاع العربي- الإسرائيلي بدلاً من حل ثنائي للنزاع الفلسطيني- الإسرائيلي»، وأفادت أيضاً أنه كان سيتم تقديمها إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع دخوله البيت الأبيض، لكن تم تأجيل الأمر لحين انخراطه فى الحديث عن السلام... وتتضمن هذه المبادرة: "تشكيل كيان فلسطيني مستقر ومزدهر يتم تأمينه عبر التزامات دولية، وعن طريق تشكيل (اتحاد كونفيدرالي) مع مصر والأردن، واعتراف العرب بدولة إسرائيل (دولة الشعب الإسرائيلي التى ستكون القدس عاصمتها) وضمان الغالبية اليهودية فى هذه الدولة عن طريق الانفصال الديموغرافي عن الفلسطينيين (إقامة الدولة اليهودية)، مع فرض السيادة الإسرائيلية على جزء كبير من أراضي الضفة الغربية، وتجنيس اللاجئين الفلسطينيين فى الدول التي يقيمون فيها (تصفية حق عودة اللاجئين)، وحل «حزب الله»، واستعادة استقرار لبنان، ومحاربة نفوذ إيران المزعزع لأمن واستقرار المنطقة، ووضع حد لمشروعها النووي، والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان فى حل مستقبلى مع سوريا".

إذا كانت هذه هي أهم معالم المشروع "الإسرائيلي" للسلام، فيبقى أن نسأل ما هو موقفنا؟

انتصرنا جزئياً فى الأقصى.. نعم، لكن المعركة مستمرة. هم يحاولون طمس معالم الصراع ولا يتحدثون عن حقوق للشعب الفلسطيني، ولا عن انسحاب من أرض محتلة بل يتمسكون بـ«أرض تم تحريرها» سواء كانت فى فلسطين أو فى سوريا. يريدون السيادة على كل فلسطين ويصدرون للعرب المشكلة لذلك يريدونها تسوية «عربية إسرائيلية» وليس انسحاباً من الأرض المحتلة كما تنص القرارات الدولية.

الرفض وحده لا يكفي، لكن يجب أن يعرف العرب حقوقهم أولاً ويعرفوا كيف يستردون هذه الحقوق، وامتلاك الإرادة على ذلك، وهذا من المستحيل أن يحدث دون إنهاء للصراعات العربية- العربية.

د‏.‏ محمد السعيد إدريس/ الأهرام المصرية

 

 

 

اخبار ذات صلة