الحديث عن الرجال ليس بالأمر السهل، ففي الحقيقة مهما تجملت الكلمات، وتناسقت العبارات لن نرتقي إلى هذا المقام، وتلك المنزلة التي وصل لها أمثال عضو المكتب السياسي لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، الراحل سليم حمادة (أبو مسلم)، فالقيمة الحقيقية لأيٍّ منا بمقدار عطائه ووفائه لدينه وقضيته وأمته.
ففي مثل هذه الأيام تمرُ علينا الذكرى السنوية الخامسة لرحيل هذا القيادي الذي ارتقت روحه في دمشق إثر عارض صحي أليم عن عمر ناهز (52 عامًا) تفانى خلالها في خدمة قضية شعبه وأمته، وكان نموذجًا وأسطورةً في العطاء والبذل والتضحية للإسلام وفلسطين.
وقد كان الفقيد يتولى مسؤولية عدة ملفات في حركة الجهاد الإسلامي، وكان له بصمات في عدة محطات، وكان رمزًا للنجاح والإنجاز في العمل، كما كان يشرف على مؤسسة مهجة القدس، التي باتت بفضل جهوده، وجهود العاملين معه مؤسسةً رائدة تنهض بعملها على الوجه الأمثل في خدمة أسر الشهداء، والأسرى وذويهم، والجرحى.
كما كان الفقيد (أبو مسلم) والذي ولد في مخيم ثكنة "غورو" للاجئين الفلسطينيين في مدينة بعلبك شمال سهل البقاع في لبنان في العام 1960، وتعود أصوله إلى قرية "سحماتا" في الجليل الأعلى لقضاء مدينة عكا شمال فلسطين المحتلة، عالمًا عاملًا، تجده في كل مناحي العمل طاقةً وحيويةً ونشاطًا، مرتب الأفكار وصاحب خطة عمل يسير بموجبها خطوةً بخطوةً وصولًا لتحقيق الأهداف المرجوة.
ومن أبرز الشهادات التي تحدثت عنه كانت لنائب الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي زياد النخالة، الذي وصف الراحل حمادة بالقائد الكبير والأخ العزيز، مضيفًا :"هو من القادة الذين عملوا في صفوف الحركة بجد، وأيضًا أحد الجنود المجهولين الأكثر أهمية في حركة الجهاد الإسلامي".
كما قال عنه عضو المكتب السياسي للحركة الدكتور محمد الهندي: "لفت انتباهي مثابرته على العمل ساعات طويلة ليلًا ونهارًا، لديه القدرة أن يجلس إلى مكتبه مراجعًا جهاز الحاسوب مدققًا في أوراقه حتى وقتٍ متأخر دون ملل".
وقد تولى حمّاده أول مهمة تنظيمية في العمل المقاوم وكان عمره 13 عامًا وقتئذ، ويحمل شهادة الهندسة المدنية من جامعة بيروت العربية 1986، وقد عمل في شركات مختلفة كمهندس مدني في لبنان لسنوات عديدة حتى قرر التفرغ بالكامل للمشروع الجهادي.
كما احتجزته قوات العدو الصهيوني في العام 1982، في بلدة البرج الشمالي شرقي مدينة صور بلبنان أثناء قيامه بعمل جهادي مقاوم في جنوب لبنان.
وتعرّف (أبو مسلم) على الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي (الأمين العام الأول والمؤسس لحركة الجهاد الإسلامي) بعد إبعاده إلى جنوب لبنان في آب (أغسطس) 1988، وشكل ذلك انطلاقة نواة عمل جهادي في إطار حركة الجهاد الإسلامي على الساحة اللبنانية. ويعتبر أحد المؤسسين لحركة الجهاد الإسلامي في لبنان استقطابًا وتنظيمًا. وكان على قائمة الاستهداف من العدو الصهيوني.
رحم الله هذا القائد الذي تميز بالطاعة والإخلاص الشديدين لقيادة حركة الجهاد الإسلامي، وعلى استمرار الأخوّة مع الجميع، والتحمّل والصبر، والأناة في التعاطي مع المشكلات التي تواجهه.