حلمي موسى
ثمة قدر من الإجماع بين المتابعين للشأن الفلسطيني على الاعتقاد بأن قطاع غزة كان ولا يزال أقرب إلى السجن المفتوح منه إلى الكيان المأهول بشكل طبيعي. فقد شاءت ظروف نكبة فلسطين في العام 1948 أن تحشر في القطاع الضيق القائم بين البحر وصحراء سيناء والكيان الصهيوني أكبر نسبة من اللاجئين الفلسطينيين. ولم تتوفر لهذا القطاع فرص تنمية حقيقية لا قبل العام 1967 ولا حتى بعده، ولا قبل أوسلو ولا بعده، ما فاقم من ظروفه ودفع المؤسسات الدولية إلى التقدير بأنه لن يكون صالحاً للعيش بعد سنوات.
مما لا ريب فيه أن السياسة «الإسرائيلية» منذ النكبة وخصوصاً بعد احتلال 1967 لعبت الدور المركزي في وأد كل محاولات التنمية وفي إفقار القطاع وتبديد موارده.
وكان البنك الدولي في تقرير متحفظ له مطلع أغسطس/آب الماضي قد حذَّر من أن «الوضع القائم في قطاع غزة غير قابل للاحتمال»، في ظل ارتفاع معدل البطالة الذي أضحى الآن الأعلى عالميًا بوصوله إلى 43%، في حين لا يزال 40% من السكان يقبعون تحت خط الفقر.
ومؤخراً أعلنت منظمات إغاثية دولية أن الدخل القومي في قطاع غزة تراجع إلى النصف تقريبا وارتفعت معدلات البطالة بهذه النسبة أيضا ما زاد نسبة الفقر إلى 80 في المئة. وتشير هذه المنظمات بأصبع الاتهام إلى الحصار «الإسرائيلي» الذي ليس فقط يدمر القطاع وإنما أيضا يمنع إعادة إعمار ما دمرته الاعتداءات المتكررة. وطوال العقود الأخيرة ردد كثير من الخبراء والمتابعين ما اكتشفته جهات متابعة من سياسة حصار «إسرائيلية» تهدف إلى إبقاء القطاع بين خط منع المجاعة واحتجاز التطور.
وبديهي أن سنوات من انتهاج هذه السياسة عبرت عن منهجية استخدام «إسرائيل» لمنطق العقاب الجماعي ضد القطاع جراء تمسكه بالمقاومة وكونه على مدى التاريخ ظل تربة خصبة تنتج المقاومين ضد الاحتلال. فالحصار لم يدمر فقط البنية الاقتصادية ومزق الكيان السياسي الفلسطيني وإنما أيضا هدم النسيج الاجتماعي.
وكان الاتحاد العام لنقابات العمال في فلسطين قد أشار قبل عامين إلى أن 70 في المئة من عمال قطاع غزة يعيشون تحت خط الفقر وأن نسبة البطالة في صفوفهم تصل إلى 60 في المئة. وشدد في حينه على أن السبب الرئيسي كان ولا يزال الحصار الذي يفرضه الاحتلال والذي أحدث الشلل في مناحي الحياة الاقتصادية الصناعية والزراعية على حد سواء. وأوضح الاتحاد أن قطاع البناء والإنشاءات كان يعمل به نحو أربعين ألف عامل بصورة مباشرة، ونحو ثلاثين ألف عامل بصورة غير مباشرة، توقف بصورة شبه كاملة جراء الحصار وإغلاق المعابر. أما القطاع الزراعي فكان يعمل به قبل الحصار ما بين 35 و40 ألف عامل، وتراجعت أعداد العمال إلى 15 ألف عامل.
وكانت «اللجنة الشعبية لمواجهة الحصار»، وهي هيئة أهلية قد أعلنت أن الحصار المفروض على القطاع دفع حوالي خمسة آلاف منشأة اقتصادية لتقليص أعمالها في قطاع غزة جراء استمرار الحصار «الإسرائيلي» المشدد للعام العاشر. وقالت إن هذا التقليص قاد إلى دفع نحو ربع مليون إلى أحضان البطالة.
ومعروف أن «إسرائيل» تمنع دخول مئات المواد الضرورية للإنتاج بدعوى احتمال استخدامها بشكل مزدوج لأغراض مدنية وعسكرية. وهذا ينطبق ليس فقط على السيارات والآلات والمعدات الزراعية وإنما أيضا على مواد البناء والأخشاب والأسمدة. وتسيطر «إسرائيل» على كل منافذ القطاع البرية والبحرية عدا معبر رفح القائم على الحدود مع مصر والذي يفتح لانتقال المرضى والعالقين بشكل جزئي لمدة يومين أو ثلاثة أيام كل شهر. ولا يقتصر الحصار «الإسرائيلي» على منع الواردات وإنما أيضا يمنع القطاع من تصدير إنتاجه وهو ما أضر بالقطاعين الصناعي والزراعي.
وأسهمت الاعتداءات التي تكررت في العقد الأخير بوتيرة عالية في تدمير البنية التحتية للقطاع. وعلى سبيل المثال لا الحصر فإن الحرب الأخيرة، 2014، أدت إلى قيام الاحتلال بتدمير ما لا يقل عن 500 منشأة صناعية وتجارية ضمن استهداف الورش والإثقال على الحاضنة الاجتماعية للمقاومة.
وعزز نسب الفقر والبطالة في القطاع الانقسام السياسي القائم بين سلطتي «فتح» و«حماس» في الضفة والقطاع. ورغم وجود حكومة وطنية واحدة إلا أن الإدارة الفعلية للقطاع هي من «حماس» وهو ما تعترض عليه سلطة رام الله وترفض أحيانا التعامل معها، ما يعرقل ليس فقط مشاريع تنمية وإنما أيضا يمنع أحيانا مشاريع إغاثة. ويحمل كثيرون في القطاع على انعدام فرص التوظيف تقريبا لسلطة رام الله وضعف ومحدودية التوظيف في سلطة حماس. وهذا ما يجعل الناس أقل تفاؤلا عند سماع أنباء عن قرب المصالحة الوطنية أو توفر فرص لإصلاح الوضع المعيشي في القطاع.
وما زاد الطين بلة في القطاع في السنوات الأخيرة، أن ما يسمى «الربيع العربي» وما أنتج من اقتتال ودمار في الدول العربية أبعد الاهتمام العربي والدولي عن المسألة الفلسطينية وظروف أهلها. وقلل هذا من تدفق المساعدات على القطاع خصوصا التي تديرها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا). فقد تراجعت في الوكالة مشاريع التوظيف المؤقت والدائم وكذلك المساعدات العينية والمالية وأيضا مشاريع التدريب المهني.
في كل حال هناك تقارير دولية تتحدث عن أن القطاع لن يكون صالحا للعيش البشري في العام 2025 أو 2030 إذا لم يتغير الواقع الراهن. والمسألة لا تعتمد فقط على الزيادة السكانية الكبيرة التي جعلت عدد سكان القطاع يصل إلى مليوني نسمة يعيشون على 360 كيلو مترا مربعا وإنما إلى تراجع جودة الأرض والمياه في هذه الرقعة. فالحروب وما أسقطته الطائرات والمدفعية «الإسرائيلية» من قذائف فوسفورية وأخرى محرمة دوليا خلقت خرابا يصعب إصلاحه. وهناك من يربط ذلك بتنامي سريان أمراض لم تكن معروفة لدى سكان القطاع وخصوصا في ظل الافتقار لمنشآت العلاج من مستشفيات وأدوية. ويكاد قطاع غزة بأسره لا يحوي مستشفىً تخصصياً واحداً على مستوى جيد وهو ما يدفع آلاف المرضى إلى انتظار دورهم إما للعلاج في مصر أو في داخل الكيان أو الانتقال للضفة الغربية.
وليس صدفة أن هذا الوضع المأساوي دفع بالكثير من شباب غزة إلى محاولة الهجرة عبر البحر إلى أوروبا من خلال التسلل إلى مصر أو ليبيا أو الوصول إلى تركيا. كما ليس صدفة أن هذه الأوضاع أنتجت كوارث اجتماعية وسلوكيات عنف ساعدت في هدم النسيج الاجتماعي المألوف.
حلمي موسى/الخليج الاماراتية
