يبدو ان حالة الفرح والابتهاج التي عمت مقر رئاسة (ابو مازن) محمود عباس واجهزته في مقاطعته برام الله، اثر اتصال الرئيس الامريكي رونالد ترامب به قد افقدتهم اتزانهم المفترض. وكما تفيد المصادر الموثوقة فان جماعة المقاطعة يعيشون هذه الايام نشوة "الانتصار" بالاتصال، استكمالا لما يدعونه من انجارات ومكتسبات وهمية مزعومة أصموا آذان الشعب الفلسطيني بها، وصولا لهذا الاختراق الوطني الكبير!
فمن يستطيع ان يقلل من شان اتصال الرجل الاقوى في العالم بابو مازن!!؟؟ وبالدعوة الرسمية التي وجهها له لزيارة البيت الأبيض قريبا، لبحث سبل استئناف العملية السياسية، مؤكداً التزامه بعملية سلام تقود إلى سلام حقيقي بين الفلسطينيين والإسرائيليين!! كما تغنت المصادر الرسمية الفلسطينية. استغل الاتصال استغلالا بشعا، و"الله يعينا" في قادم الايام على ما سنسمع من تهويل وتضخيم عن "الصفقة الكبرى" التي تحدث عنها ترامب، وعما تمثله سياستهم الصائبة ومشروعهم الوطني. فلم يخجل احد مسؤولي السلطة من القول – وكانهم مركز الشرق الاوسط – ان المكالمة الهاتفية الأولى بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالفلسطيني محمود عباس، شكلت بداية تحرك الإدارة الأميركية الجديدة نحو ما سمّاه ترامب “الصفقة الكبرى”، أي التسوية السياسية للصراع الفلسطيني- "الإسرائيلي". متجاهلا هذا المسؤول حقيقة وعمق التنسق والاتصالات الامريكية "الاسرائيلية" وزيارة نتنياهو لواشنطن الاخيرة والقمة التي جمعته بترامب التي صاغت اسس السياسة الامريكية الجديدة في العهد الترامبي الجديد المتعطش لخدمة "اسرائيل" كما يقول "بعضمة لسانه" دائما. وذكر المسؤول المبتهج أن الاتصال كان مطولا ودافئا، لاسيما وأن ترامب قال لعباس إنه يؤمن بأنه رجل سلام، وأنه شريكه في عملية سياسية تقود إلى سلام حقيقي بين الفلسطينيين و"الإسرائيليين" !!
مظاهر الفرح والبهجة لم تقتصر على التصريحات والمواقف الكلامية فقط، بل تعدتها للافعال الميدانية ليثبت ابو مازن بالملموس بانه اهل لثقة الرئيس الامريكي وذلك عندما اصدر اوامره للاجهزة الامنية بالتصدي لشباب احتجوا امام مقر المحاكم على محاكمة الشهيد باسل الاعرج الذي استشهد قبل اقل من اسبوع في عملية مواجهة غير متكافئة مع قوات الاحتلال بعد ان رفض الاستسلام وقاوم حتى آخر نفس .
وفقاً لمتابعات الهيئة المستقلة لحقوق الانسان، فقد نظم ناشطون وقفة احتجاجية على نظر محكمة الصلح في قضية الشهيد باسل الأعرج ورفاقه المعتقلين لدى سلطات الاحتلال. وحسب توثيق الهيئة فقد اعتدى افراد الشرطة على عشرات المتضامنين المحتجين بالضرب بالهراوات وبقنابل الغاز المسيل للدموع، وادى الضرب المبرح واستخدام القوة المفرطة لاصابة العديد من الشباب، ومعهم والد الشهيد باسل الأعرج مما استدعى نقلهم إلى المستشفى، والمحامي فريد الأطرش الذي شارك بصفته أحد أقارب الشهيد باسل الأعرج الذي اصيب اثناء محاولته ابلاغ الشرطة أن المواطن الذي يضربونه هو والد الشهيد باسل، وقالت الهيئة في بيان لها، أنه جرى الاعتداء على نحو 20 مواطناً، من بينهم الأسير المحرر الشيخ خضر عدنان، ولم ينج من الضرب والاصابات عدد من الصحفيين وهم أحمد ملحم من وكالة وتلفزيون وطن ومحمد شوشة وحافظ أبو صبرة .
من كانوا في المسيرة على محدودية عددهم، ليسوا من جهة سياسية واحدة؛ فقد كان فيها من نشطاء حركة “فتح”، وفيها يساريون وإسلاميون ومستقلون، وأهالي شهداء ومعتقلين. وبالتالي، فإنهم حالة شعبية تعبر عن الغضب والاستهجان مما تقوم به سلطة عباس التي لم تخجل من استشهاد باسل، وبطولته ومن ثقافة المقاومة التي مثلها؟!
لقد ابهر باسل الاعرج شعبنا وملايين العرب، وأحرار العالم كمثقف ميداني مشتبك، قدم روحه فداء لقضيتنا، وبدلاً من أن تستحي السلطة من عجزها وتخاذلها ها هي تمعن في العجز، والتخلّي عن واجب اضاعته منذ بدات رحلتها المخزية في التنسيق الامني مع أجهزة العدو الصهيوني المُحتل الذي ينهب ارضنا يوميا، والذي يدمّر ويهود قدسنا، والذي يزج في معتقلاته النازية آلاف الأطفال، والنساء والرجال…
فمن ذا الذي يتصور ان يحاكم الشهيد في قبره، وان يحاكم المعتقلين في السجون "الاسرائيلية" مرتين في آن واحد، الاولى في المحاكم "الاسرائيلية" والثانية في المحاكم التي تسمي نفسها بالمحاكم الفلسطينية، فمحاكم كهذه التي تحاكم المناضلين وبهذه الطريقة لا يمكن ان تسمى محاكم فلسطينية أو أن تكون فلسطينية الهوية والاهداف !!!
ما فعلته أجهزه محمود عباس الاحد الماضي (12 آذار) في رام الله فضيحة بكل المقاييس والمعاني استنكرها واستهجنها الكل الفلسطيني، من نقابة الصحفيين الفلسطينيين الى الفصائل الصغيرة المحسوبة على ابو مازن نفسه وما بينهما عشرات المؤسسات الوطنية، علاوة على الرفض الشعبي الذي زخرت به مواقع التواصل الاجتماعي، والعديد منهم طالب بالتحقيق وبمحاسبة المسؤولين عن الفضيحة الجريمة بحق الشهداء والمواطنين الاحياء على حد سواء .
كلنا يعرف الحق والحقيقة، وكلنا يعرف بان محمود عباس رئيس سلطة الامر الواقع الفلسطيني هو الآمر الناهي في السلطة والمنظمة وهو المسؤول الاول والاخير عما شهدته رام الله بالامس من فضيحة يندى لها حتى جبين (كيت) دايتون (الضابط) الامريكي الذي صنع وعلب اجهزة أمن ابو مازن وسلطته .
صحيفة (يديعوت أحرونوت) ذكرت قبل ايام أنّ الرئيس الأمريكيّ ومُساعديه ومُستشاريه يدرسون سبل إعادة إحياء المفاوضات المباشرة بين "الإسرائيليين" والفلسطينيين. وبحسب المصادر، فإنّ ترامب على استعدادٍ للمُشاركة في قمّةٍ تُعقد في الشرق الأوسط بمشاركة نتنياهو وعبّاس، إذا توصّل لقناعةٍ أنّه ستكون لهذه القمّة تكملة. كما تدرس الإدارة الأمريكيّة، ترتيب مؤتمر قمّةٍ إقليميٍّ في المنطقة بمُشاركة كل من "إسرائيل"، الأردن، مصر والسلطة الفلسطينيّة وعددٍ من الدول العربيّة، التي وُصفت بالمُعتدلة، وفي مُقدّمتها المملكة العربيّة السعوديّة .
غنيٌ عن القول إنّ المؤتمر الإقليميّ هو ما تسعى "إسرائيل" إلى عقده بهدف تعزيز علاقاتها مع الدول العربيّة وخاصة دول الخليج، كما أنّ الهدف الثاني لتل أبيب هو إبعاد القضيّة الفلسطينيّة عن المشهد، إذْ أنّ أركان "إسرائيل" يؤكّدون بمناسبة أوْ بغيرها على أنّ القضية الفلسطينيّة، باتت بالنسبة للدول العربيّة الـ”مُعتدلة” أولوية ثانيةٍ وثانويّة مُقابل التهديد الإيرانيّ .
الخوف كل الخوف أن يستغل ابو مازن هذا الاتصال ومجمل الاتصالات والتحركات الجارية والتي ستتزايد الاسابيع القادمة للتراجع عن اشتراطاته الثلاث السابقة لاستئناف المفاوضات المباشرة وغير المباشرة، والانخراط مجددا في مسلسل أوهام، غالبا ما سندفع فيه ثمنا باهظا .
فمن رقص هذا الرقص لمجرد اتصال تلفوني لا يعرف احد ما الذي سيفعله عند العناق !!
صابر عارف / صحيفة راي اليوم