وكالة القدس للأنباء – متابعة
ينتظر العديد من سكان مدينة غزة ومناطق أخرى قريبة منها، خاصة ذوي الدخل المحدود والفقراء يومي الجمعة والسبت من كل أسبوع بفارغ الصبر للذهاب الى السوق الشعبي المسمى «اليرموك» لوقوعه في قلب منطقة تحمل ذات الاسم، فهناك يجدون على البسطات المتلاصقة كل أنواع السلع التي تحتاجها أسرهم، بأثمان تناسب دخولهم المحدوده، فيما يقصده أيضا عدد من ميسوري الحال، طلبا للحصول على بعض التحف القديمة.
ففي السوق الشعبي المقام في منطقة فناء واسعة، ويمتد حتى شوارع قريبة، توجد معظم الأصناف من المواد الغذائية والملبوسات وحتى الأجهزة الكهربائية، فالأغذية تباع بأسعار أقل من سعرها المتعارف عليه في المحلات، أما باقي السلع فالخيار للمشتري من بين الأشياء القديمة المستخدمة أو الجديدة التي يقل ثمنها عن تلك التي توجد في باقي المحلات أيضا.
ويعرف قاصدو السوق الشعبي وجهتهم، التي يريدون الحصول على أغراضهم منها، فالسوق مقسم إلى عدة أقسام، كل واحد منها تباع فيه سلع محددة، تعطي المتجول فرصة أفضل للشراء، وتفقد أسعار السلعة الواحدة في أكثر من مكان.
ويقول أحمد سلمان وهو شاب في بداية الثلاثينات، ويبيع على بسطة مخصصة للملابس، إنه رغم حالة الكساد التجاري التي تشهدها أسواق غزة، إلا أن هناك من يقصد «سوق اليرموك» للحصول على بضائعهم بثمن أقل. وفي ذات المكان كان رجل يقف برفقة أحد أبنائه الشبان، يشتري قميصا معروضا بثمن قدره نحو خمسة دولارات أمريكية، وقال إن شراء قميص مماثل متوسط النوع من محل تجاري يتطلب ضعف هذا المبلغ أو أكثر.
وأضاف أن ضعف الحالة المادية لغالبية سكان غزة، يدفع الكثير منهم لانتظار أيام السوق، وهي في الأساس يوم الجمعة من كل أسبوع، حيث يفتح صباحا ويغلق عند ساعات الظهر، وبشكل أقل يوم السبت، من أجل شراء ما يحتاجونه من مستلزمات أساسية لمنازلهم.
وليس بعيدا عن ركن الملابس، هناك زاوية تباع فيها أدوات سباكة وأجهزة كهربائية، ويمكن لقاصد السوق أن يشتري فرنا كهربائيا، أو جهاز تسخين، وحتى المراوح وأجهزة التدفئة والتلفاز، بشقيها الحديث والقديم فهي متوفرة.
وعلى بعد أمتار قليلة يوجد ركن مخصص لبيع الحيوانات والطيور الداجنة، وقسم آخر للهواتف النقالة، غير أن أكثر الأقسام شعبية ويقصدها مرتادو السوق الشعبي، هو القسم المخصص لبيع السلع المستخدمة، بما فيها الملابس والأجهزة الكهربائية وأدوات أخرى.
في ذلك القسم تجد رجالا ونساء على حد سواء، انهمكوا في تفقد كومة من الملابس المستخدمة، تباع القطعة الواحدة منها بشيكل واحد، (الدولار يساوي 3.7 شيكل) ويمكن أن يحصل الواحد منهم على تخفيض حال اشترى أكثر من قطعة، وهو ما يوفر كساء للأسر الفقيرة، التي لا تتمكن من شراء الملابس الجديدة رغم تدني أسعارها في هذا السوق. وعلى الزاوية، افترش أحد الشبان الأرض ليضع بضاعته المسماة «خردة» وهي عبارة عن أجهزة كهربائية غير صالحة، ولوحات كمبيوتر، وأسلاك، وأشياء أخرى لا يعرف استخدامها إلا مختص أو شخص يعرف قيمتها جيدا. يقول صاحب البسطة لـ «القدس العربي»، بالعادة يشتري هذه الأشياء طلبة قسم الكمبيوتر والإلكترونيات، لاستخدامها في أعمالهم، ويشير إلى لوحة الكترونية ويقول إنها صالحة للاستخدام إذا ما وضعت في داخل صندوق الكمبيوتر.
ويعاني قطاع غزة المحاصر من ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، ويعتمد نحو 80% من السكان على المساعدات الخارجية، في حين تصل نسب البطالة إلى أكثر من 43 %، بسبب القيود الإسرائيلية المفروض منذ أكثر من عشر سنوات.
والغريب أن في هذا الركن الذي يعج بالباعة والمتسوقين، يلاحظ بائع يضع ضمن بضاعته حدوة حصان، وآخر وضع مذياعا من النوع القديم،، إضافة إلى مشغولات من النحاس، لكن هذا القسم بالعادة يكون زبائنه من نوع خاص، فهم يصلون السوق لشراء هذه المقتنيات، رغم ارتفاع ثمنها، من باب تجميل المنزل بمقتنيات قديمة ذات قيمة كبيرة.
من بين البضائع وضع الشاب أنس بين مقتنياته نايا من صنع ألماني، حسب الملصق الموضوع على المغلف الخشبي، وقال لـ «القدس العربي» إنه يطلب ثمنا قدره مئة شيكل، أي أكثر من 25 دولارا»، ويشير إلى أنه سبق وأن باع مقتنيات أخرى بأسعار أكثر من هذا المبلغ بأضعاف في أوقات سابقة.ويضيف أن هذا الركن معروف بأن زبائنه من نوع خاص، ويؤكد أيضا أن شراء بضائع مماثلة من المحال التجارية المخصصة لهذه الأغراض يكلف المشترى أضعاف المبالغ التي يطلبونها في السوق الشعبي. ويقول بائع آخر إنه يرى رجالا باتوا معروفين له، يترددون بشكل أسبوعي على السوق، لشراء سلع مختلفة، أكثرها سلع غذائية وملابس قديمة، ويشير إلى أن ذلك يدل على أن وضعهم الاقتصادي يبدو عسيرا.
ومؤخرا لجأ الكثير من تجار غزة للترويج لبضائعهم من سلع تموينية وملابس، من خلال اللجوء إلى استخدام سياسة العروض، غير أنهم يقولون إن حركة البيع رغم ذاك تشهد ركودا كبيرا، وإن الأمر لم يدفع بالسكان للإقبال على الشراء حسب توقعاتهم، رغم تدني الأسعار.
ويقول محمد أبو جياب المختص في الشؤون الاقتصادية، إن نشاط الحركة الشرائية في أسواق غزة، يكون انعكاسا للواقع الاقتصادي، وانعكاسا لنسب الفقر والبطالة ومحدودية الدخل.
وأشار إلى أن توجه السكان لـ «أسواق البالة» من أجل توفير احتياجاتهم، يأتي في سياق تخطي هذه المرحلة الاقتصادية الصعبة.
ويؤكد أن حملات التنزيلات التي تصل أحيانا لخسارة التاجر والمستورد، تعود لكون أن العديد منهم مرتبط بالتزامات مالية، وأنه يلجأ لها من أجل جمع البعض من أمواله وتوفير السيولة من أجل تسديد هذه الالتزامات.
ويشير المختص في الشؤون الاقتصادية إلى أن ذلك راجع الى تدهور الوضع بسبب مضايقات الاحتلال التي طالت تجار غزة. وأكد أن هناك تجاراً من غزة أعلنوا مؤخرا إفلاسهم، علاوة على دخول عدد آخر في مشاكل مالية كبيرة، في ظل تردي حركة البيع والشراء.
يشار إلى أن تجار غزة يعانون كثيراً جراء سياسات الاحتلال التي تحد من كميات السلع التي تسمح "اسرائيل" بدخولها إلى غزة، علاوة على شروع السلطات "الإسرائيلية" مؤخراً بسحب تصاريح مئات التجار، واعتقال عدد منهم، وهو ما حال دون قدرتهم على الوصول إلى مكان تصنيع المنتج من أجل شرائه وفق مواصفات تضمن تسويقه جيداً.
المصدر: «القدس العربي»
