/مقالات/ عرض الخبر

الدولة الواحدة لا تعني الشيء نفسه للفلسطينيين والإسرائيليين

2017/02/19 الساعة 11:17 ص
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

وكالة القدس للأنباء – ترجمة

مقال بقلم ميكائيل سي دورف* – مجلة "نيوزويك" الأمريكية، 18 شباط 2017

لنفترض أنك وسيط محترف وحضر إليك طرفان لمساعدتهما على حل نزاع، فهل يمكنك أن تقاوم كلياً إغراء فرض حل عليهما؟  هكذا تتساءل البروفيسور كولب، من كلية الحقوق في جامعة كورنيل، بعد إنهائها تدريبها كوسيط.

هدف الوساطة هو تمكين الأطراف من إجراء محادثة صادقة يمكنهم من خلالها اختيار القرار الذي يناسبهم.  فهذا هو الأساس الذي يميّز بين الوساطة من جهة، والتقاضي والتحكيم، من جهة أخرى.

ولذا، فإن أي شخص ليس لديه معرفة مسبقة بالصراع الإسرائيلي / الفلسطيني أو يتميز، مثل دونالد ترامب، بالجهل العميق تقريباً بكل موضوع ذي صلة بواجبات الرئاسة، قد يعتقد أن تصريحاً مشتركاً له مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هو مجرد تعبير عن الحياد كوسيط نزيه.

أنا أبحث في [حل] الدولتين و[حل] الدولة الواحدة؛ وأنا أحب ذلك الذي يحبه كلا الطرفين. سأكون سعيداً بما يحبه كلا الطرفين. أستطيع العيش مع أي منهما.

اعتقدت لفترة من الوقت أن [حل] الدولتين بدا أسهل الخيارين؛ لكن وبصراحة، لو أن بيبي والفلسطينيين - إذا كانت إسرائيل والفلسطينيون سعداء، فأنا سعيد بالخيار الذي يفضلونه.

ركّز الكثير من التغطية الصحفية لهذا التصريح على مدى القطيعة التي يتضمنها مع السياسة الحكومية للحزبين الجمهوري والديمقراطي في الولايات المتحدة لما يقرب من ثلاثة عقود ماضية، والتي حثت الولايات المتحدة من خلالها إسرائيل على تقديم تنازلات تتعلق بالأرض بهدف إقامة دولة فلسطينية في مقابل السلام.

لكن هل هذا عادل؟  في نهاية التحليل، لم يقل ترامب إنه يعارض حل الدولتين.  ما قاله بالضبط هو أنه سيقبل إما بالدولتين أو بحل الدولة الواحدة، وفقط إذا قبل الطرفان الإسرائيلي والفلسطيني بأحدهما.  أين الخطأ فى ذلك؟

الكثير [من الأخطاء]، كما اتضح.  هناك إسرائيليون وفلسطينيون يفضلون حل الدولة الواحدة، ولكنهم يقصدون أشياء مختلفة جداً بالدولة الواحدة.  والمسافة بين رؤى الدولة الواحدة أكبر بكثير منها من المسافة بين رؤى الدولتين.

الإسرائيليون اليمينيون الذين يفضلون حل الدولة الواحدة يعنون به أن إسرائيل يجب أن تضم القدس الشرقية والضفة الغربية وربما غزة.  الدولة الواحدة هي إسرائيل.  ومن المفترض أن يسمح للفلسطينيين بمواصلة العيش، بطريقة أو بأخرى، حيث هم؛ لكن، وللحفاظ على مكانة إسرائيل كدولة يهودية (وهو إلتزام أساسي ليس للإسرائيليين اليمينيين وحدهم، بل ولمعظم المعتدلين أيضاً)، لن يعطى الفلسطينيون حقوقاً ديمقراطية كاملة.

وبالنظر إلى التركيبة السكانية، فإنه لا يمكن إعطاء الفلسطينيين حقوقهم الديمقراطية الكاملة لأن عددهم يفوق عدد اليهود الإسرائيليين.  الوضع السياسي الذي يمكن أن يحصل عليه الفلسطينيون في دولة إسرائيل الواحدة في العصر الحديث (إسرائيل بالإضافة إلى الأراضي المحتلة) ليست واضحة تماماً.

ربما سيكون لديهم الحق في التصويت في الانتخابات المحلية وفي هيئات إدارية معينة مع وجود درجة من الحكم الذاتي.  ولكنهم في أفضل الأحوال سيكونون مواطنين من الدرجة الثانية.  إن مصطلح "دولة الفصل العنصري" المثير جداً للجدل، والذي يعتبره معظم الإسرائيليين غير عادل عندما يستخدم لوصف الوضع في إسرائيل اليوم، فإنه سيكون دقيقاً لوصف حل الدولة الواحدة، تكون فيه هذه الدولة الواحدة هي إسرائيل الكبرى.

وفي الوقت نفسه، فإن بعض الفلسطينيين الذين يفضلون دولة واحدة يتخيلون دولة واحدة خالية من اليهود أساساً.  اليوم، فإن الأشخاص الذين يتبنون هذا الرأي هم الإسلاميون؛ لكن، ومنذ ظهور الصهيونية الحديثة في أواخر القرن ال19، كان هناك أيضاً العديد من الفلسطينيين العلمانيين (وغيرهم من العرب ومن المسلمين من غير العرب) الذين عارضوا أي وجود يهودي كبير في الأراضي التي يطلق عليها اليوم اسم إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة.

وأياً يكن الأمر، فمنذ ظهور حماس التي هي حركة إسلامية وأكثر تطرفاً من حركة فتح، فإن فكرة وجود فلسطين الكبرى ارتبط بشكل وثيق بالفصائل الإسلامية.

وفي حين أن العديد من الإسلاميين يريدون طرد اليهود من الدولة الفلسطينية الكبرى، (أو ما هو أسوأ)، فإن في الإسلام الكلاسيكي بديلاً أكثر اعتدالاً.  في فلسطين الإسلامية المعتدلة، فإنه ليس على اليهود أن يكونوا بالضرورة ضحايا الطرد أو الإبادة الجماعية، بل يمكنهم بدلاً من ذلك العيش كأهل ذمة – كما كان اليهود وغيرهم من غير المسلمين تقليدياً يعيشون في الأراضي الإسلامية خلال معظم التاريخ الإسلامي.

يعكس هذا الوضع من الدرجة الثانية مع حكم ذاتي جزئي، بدرجة أكثر أو أقل، مرآة الكثير من الفلسطينيين للنسخة الإسرائيلية لليمين المتطرف لحل الدولة الواحدة.

وغني عن القول، إن أياً من الاحتمالات السابقة - فلسطينيون كمواطنين من الدرجة الثانية أو منفيين من إسرائيل واحدة كبرى، أو يهود يقتلون أو ينفون أو يكونون مواطنين من الدرجة الثانية في فلسطين واحدة كبرى - غير مقبول من الأشخاص الذين سيكونون، في أفضل الأحوال، منبوذين إلى حالة التبعية.

ذلك يبقي بضعة احتمالات، إحداها دولة واحدة علمانية ليبرالية متعددة الأعراق. ويفضل بعض الليبراليين الفلسطينيين والإسرائيليون في أقصى اليسار، هذه المقاربة.

غير أن هذه المقاربة غير مقبولة مطلقاً من الغالبية العظمى من الإسرائيليين، بمن فيهم العديد من المعتدلين، الذين يخشون (ليس بدون سبب) بأن الفلسطينيين المعتدلين الذين يفضلون التعايش السلمي في دولة ليبرالية علمانية متعددة الأعراق سيخسرون أمام الأغلبية الناخبة أو تتم الإطاحة بهم بوسائل عنيفة، بحيث أن هذا الخيار سوف يؤول إلى دولة فلسطينية كبرى أفضل ما يمكن لليهود أن يأملوه هو وضع الذمي.

النوع الآخر من حل الدولة الواحدة أن يكون شكلاً من أشكال الفيدرالية.  سجل الفيدرالية كحل للصراع العرقي متفاوت النجاح.  تمثل بلجيكا وكندا، على الرغم من من مشاكلهما، قصص نجاح نسبي.  بعض الإخفاقات - مثل تشيكوسلوفاكيا - فشلت سلمياً على الأقل، وتالياً ينتهي بها المطاف كمحطة على طريق التقسيم.

ولكن، فإنه في أي من هذه الدول لم تكن الخلافات كبيرة كما هي بين الإسرائيليين والفلسطينيين.  تلوح يوغوسلافيا في الأفق كتجربة يمكن القياس عليها على الأرجح، بل ربما كان ليوغوسلافيا حظوظاً أفضل للسلام من إسرائيل / فلسطين فيدرالية، نظراً إلى السلام النسبي الذي كان موجوداً على مدى عقود (ولو تحت حكم تيتو الصارم).

ألم يعد هناك حقاً أي مسارات أخرى للسلام؟  أمس، اقتفت سفيرة الولايات المتحدة إلى الأمم المتحدة، نيكي هالي، أثر تعليقات ترامب، ورأت فيها إشارة إلى أن الولايات المتحدة تريد مساعدة الإسرائيليين والفلسطينيين على التوجه نحو "التفكير خارج الصندوق".

قد يكون هذا تعليلاً لا بأس به لما اعتقد ترامب أنه كان يقوله.  في نهاية الأمر، يتوهم ترامب أنه سيد في صناعة الصفقات.

وأياً يكن من أمر، فإن تصوّر ترامب عن نفسه، في هذا المجال كما في العديد من المسائل الأخرى، هو خيال جامح.  لا يوجد أي دليل على أن ترامب عبقري، أو حتى أنه يجيد اكتشاف فرص تعاون ذات منفعة متبادلة حيث لا يراها الآخرون.

مهاراته كصانع صفقات، مثلما هي بالفعل، تتكون من الاستفادة من حسن نية الأطراف المقابلة في الصفقة، والذين لا يتمكنون غالباً من الوفاء بالتزاماتهم بموجب صفقته، ومن ثم استخدام سطو سلطته كورقة ضغط لحث الأطراف المقابلة على القبول بما هو فعلياً أقل من القيمة الكاملة.

ومهما كانت جدارة هذا المسار في بناء ثروته الشخصية مشكوكاً فيها، ليس ثمة ما يدفع إلى  الاعتقاد أنه سيتخلى عنه في الصراع الإسرائيلي / الفلسطيني.

ثمة وجود لإمكانية نظرية للتوصل إلى صفقة إبداعية بين الإسرائيليين والفلسطينيين قد تم تجاهلها حتى الآن.  ولكن مثل هذا الخيار الذي تم تجاهله حتى اليوم لا بد وأن يكون معقداً بحيث أنه لو توفرت رغبة من كلا الجانبين للتوصل إلى اتفاق، فإن حل الدولتين سيكون من شبه المؤكد هو الحل الأسهل للتوافق عليه.

وفقاً لذلك، عندما يقول الرئيس ترامب أنه منفتح على حل الدولة الواحدة، فإنه لا يضع أية احتمالات جديدة على الطاولة.  بدلاً من ذلك، هو يضعف الاحتمالات الخافتة للسلام عبر وقف المسار الذي، وإن لم يكن مرجحاً أن ينجح، فإنه الأقل ترجيحاً أن لا ينجح: حل الدولتين.

*ميكائيل سي دورف: أستاذ قانون في جامعة كورنيل.  وهذا المقال نشر لأول مرة في موقع "دورف القانوني". 

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/105987