وفرت أحداث الأسبوع الأخير في الداخل الفلسطيني (المحتل) رؤية واضحة لطبيعة الصراع بين الصهيونية والفلسطينيين في الأراضي المحتلة عموما. فقد جمعت بين ثناياها تصرفات «الإسرائيليين» تجاه الفلسطينيين على جانبي الخط الأخضر وبيَّنت من جديد أن الصراع قائم، ولا يزال، ليس فقط على الهوية وإنما على الأرض أيضا.
قيام الاحتلال بهدم قرية أم الحيران في النقب وتوسيع نطاق هدم المنازل في القرى العربية وخصوصاً في قلنسوة بالجليل وملاحقة النشطاء وأعضاء الكنيست العرب والاعتداء عليهم تظهر أن شيئاً لم يتغير على الطبيعة العدوانية الصهيونية. كما أن الهبة الشعبية والتظاهرات في كل أنحاء فلسطين تبين أنه، ورغم قتامة الظروف، لا يزال التضامن الوطني في مواجهة «إسرائيل» صلباً كما كان ويكشف عن المعدن الأصيل لأبناء البلد.
ومن الطبيعي أنه لا يمكن النظر إلى أحداث هدم البيوت في قلنسوة وهدم قرية أم الحيران في النقب وملاحقة النشطاء في الداخل الفلسطيني من دون أخذها في السياق العام. ويشير كثيرون إلى أن جرأة الحكم الصهيوني في الاعتداء على الفلسطينيين داخل وخارج الخط الأخضر تتناسب مع حدة التطرف اليميني داخل «إسرائيل» من جهة ومع توفر مناخات دولية من جهة أخرى. وليس صدفة أن كل ذلك يحدث بعد فوز دونالد ترامب برئاسة أمريكا وما وفره هذا الفوز من تشجيع وتأييد لليمين «الإسرائيلي» التواق لحسم معركة الهوية والأرض مع الفلسطينيين.
وكان خبراء في الشأن «الإسرائيلي» قد ربطوا مبكرا بين عجز الحكومة «الإسرائيلية» عن تمرير مشروعها لمنع هدم مستوطنة عمونا بعد قرار المحكمة العليا وتوسعها في هدم البيوت العربية. اعتبروا أن خطوة كهذه ستشكل وزناً مضاداً للخيبة التي يشعر بها اليمين جراء هذا العجز. وهكذا ورغم أن سياسة هدم البيوت في القرى والبلدات العربية كانت ولا تزال تمثل استراتيجية صهيونية واضحة فإن تنفيذها يرتبط أيضاً بأجندات حزبية وإعلامية. ومعروف أنه إضافة إلى قضية بؤرة عمونا الاستيطانية هناك أيضاً التحقيقات الجنائية الجارية بحق رئيس الحكومة «الإسرائيلية» بنيامين نتنياهو في قضايا فساد.
ولا بد من الإشارة إلى أن التوسع في هدم البيوت في القرى العربية جاء في سياق التراخي في التقيد بمتطلبات القانون في كل ما يتعلق بأرواح الفلسطينيين. ومن الجائز أن شريط الفيديو الذي بث حول اغتيال الشهيد يعقوب أبو القيعان أثناء أحداث أم الحيران يثبت مدى استسهال الشرطة «الإسرائيلية» إطلاق النار على العرب وتلفيق الاتهامات لهم. وبحسب ما جرى فإن الشرطة أطلقت النار على هذا المدرس أثناء اقترابه من منزله متهمة إياه بأنه «مخرب» وجاء لدهس رجال الشرطة.!!
على أن أشد ما يثير الانتباه أن التوسع في هدم البيوت واستهداف الفلسطينيين في مناطق 48 يأتي في ظل تكثيف الحديث عن مشاريع «تطويرية» لهذه المناطق. ومعروف أن العرب في «إسرائيل» تعرضوا بشكل منهجي للإهمال منذ إنشاء الدولة العبرية حيث تم سلب أراضيهم ومحاصرة قراهم لمنع توسعها وعدم إعداد خرائط هيكلية لتطورها. وتكفي نظرة واحدة إلى الواقع الديمغرافي للعرب في «إسرائيل» لكشف المفارقة. فقد كان تعداد الفلسطينيين الباقين على أرضهم في داخل فلسطين 48 حوالي 130 ألفا وصار عددهم اليوم أكثر من مليون ونصف المليون. ولكن «إسرائيل» لم تسمح لهم طوال سبعة عقود تقريباً بإنشاء قرى أو مدن جديدة ما خلق اكتظاظاً وعشوائية في أغلب القرى والبلدات العربية القائمة أصلاً.
وكانت «إسرائيل» قد صادرت حق العرب في الأرض عندما حولت ملكية أغلبية الأراضي العامة إلى الصندوق القومي اليهودي (طيرن كييمت) أو إلى الكيبوتسات ومنعت بذلك القرى العربية من توسيع ملكيتها. وبعد أن أفلحت في مصادرة الأراضي العربية في الشمال توجهت إلى النقب لمصادرة ما تبقى منها. وكانت في الماضي تلجأ إلى أسلوب التفرقة بين البدو والفلاحين لتقليص الاحتجاجات وهو الأسلوب الذي أعلن العرب رفضهم له منذ أحداث "يوم الأرض".
ولكن ظاهرة الصدام مع العرب توسعت بعد انتفاضة الأقصى والتي أعقبتها جهود كبيرة لتطويع الوعي الوطني بين فلسطينيي الداخل. وبدأت «إسرائيل» تفرض عبر قوانين تسنها شروطاً على المشاركة العربية في العملية السياسية والبرلمانية والمطالبة بعدم إنكار يهودية الدولة أو التماثل مع نضال أخوتهم في مناطق 67. كما أن هدم قرية أم الحيران ذاتها يشهد على طبيعة الاستهداف والتمييز ضد العرب. فسكان هذه القرية هم من البدو الذين صادرت الدولة العبرية أصلاً أراضيهم وعمدت إلى تجميعهم في هذه القرية قبل عدة عقود وعندما شعرت بحاجة مستوطنات مجاورة إلى التوسع والتطوير لم تجد ما يمنع تحقيق ذلك على حساب هذه القرية البدوية. وهكذا فإن حكومة «إسرائيل» لا تجد مصلحة في تسوية أوضاع القرى العربية وتحاول جهد استطاعتها توسعة المستوطنات اليهودية على حسابها.
ويرى كثيرون في ذلك تأكيداً على التمييز العنصري ضد أهل البلاد الأصليين لصالح المهاجرين الجدد أو أبنائهم الراغبين في تحسين أوضاعهم. وكان لافتا أن «إسرائيل» حاولت بكل شدة قمع ظاهرة التضامن مع أم الحيران باعتدائها على المشاركين في الاعتصام هناك وخصوصا ضد أعضاء الكنيست. ولم تأبه قوات الشرطة «الإسرائيلية» لحصانة النواب فاعتدت عليهم بالضرب وأصابت بعضهم بجروح ولم تعتذر لهم بل وجهت لهم اتهامات بالتحريض. وكان التحريض ضد أعضاء الكنيست العرب قد بلغ أشده عندما أقدمت الشرطة على اعتقال النائب العربي باسل غطاس بتهمة إيصال هواتف لأسرى عرب. إضافة إلى التحريض الواسع ضد النشطاء العرب سواء من "الحركة الإسلامية" أو من "التجمع الوطني الديمقراطي" أو من منظمات حقوق الإنسان.
ويرى قادة الكيان في انتهاج سياسة هدم البيوت وتهميش الفلسطينيين في الداخل ومواصلة الجهود لتطويع إرادتهم نوعا من استمرار حرب 48. واليوم يوجد ما يشبه الإجماع في الحلبة السياسية «الإسرائيلية» على أن هدم البيوت العربية، حتى من دون إيجاد بدائل، هو تكريس لوضع قانوني يرمي إلى تهويد البلاد بأسرها. وهذا ما يدفع الفلسطينيين في الداخل والخارج إلى تشديد النضال ضد هذه الممارسات حفاظاً على ما تبقى من حقوق. وليس صدفة أن الفلسطينيين في كل أماكن تواجدهم داخل ما يسمى الخط الأخضر خرجوا في تظاهرات كبيرة رفضا للإجراءات الصهيونية. كما أن "لجنة المتابعة العربية العليا" قررت جملة من الاحتجاجات بينها الإضراب العام واستمرار التظاهرات، فضلاً عن الملاحقة القانونية وعرض المسألة على محافل دولية. ولكن هناك أهمية استثنائية في قرار لجنة المتابعة تتمثل بالتكفل بإعادة بناء البيوت المهدمة. وينطوي هذا القرار على انتقال المواجهة بين الفلسطينيين في الداخل من مستوى مقاومة الاعتداء عليهم من جانب حكومة عنصرية إلى تحدي هذه الحكومة على الأرض. وطالبت تظاهرات جرت في المثلث بوجوب تشكيل لجنة تحقيق رسمية للبحث في دوافع الحكومة «الإسرائيلية» في التغول والاعتداء على المواطنين العرب وأراضيهم.
وتجاوب الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة مع دعوات التضامن فعمدوا إلى التظاهر في مدنهم وقراهم. وكانت الرسالة واحدة وهي أن الشعب الفلسطيني في كل مناطق تواجده يواجه العدو نفسه والمخطط العدواني ذاته. وأن ما يجري في مناطق 48 من طمس للهوية الوطنية وسلب للأرض هو ما يجري بشكل غير مختلف كثيراً مع مناطق 67.
حلمي موسى / الخليج الاماراتية