آجمع العالم الإنساني في عام ١٩٤٩ على عقد اتفاقيات جنيف الآربع ومنها اتفاقية جديدة كليا، ألا وهي اتفاقية جنيف الرابعة التي تطبق على الأراضي المحتلة بغض النظر عن اسمها وموقعها، واستمدت قواعدها كليا من الاحتلال النازي وممارساته البشعة أثناء الحرب العالمية الثانية في أوروبا المحتلة منعا لتكرارها. وبالتالي نصت اتفاقية جنيف الرابعة في المادة ٤٩ على حظر الإستيطان الأجنبي بأي شكل كان ومن أية جهة محتلة كانت.
وذهبت تلك الإتفاقية إلى أبعد من ذلك حينما اعتبرت الإستيطان جريمة خطيرة وخرقا خطيرا للقانون الدولي الإنساني الذي كان يسمى بقانون الحرب. وإمعانا في التأكيد على هذه القواعد جاء البرتوكول الأول لعام ١٩٧٧ ليجعل الإستيطان جريمة حرب ويؤكد موقف المجتمع الدولي الإنساني من هذه الجريمة الخطيرة. وتابع المسيرة الدولية الإنسانية اتفاق روما لعام ١٩٩٨ الذي أسس لوجود محكمة جنائية دولية. والمثير للموضوع أن هذه الإتفاقيات الدولية لم تكن إلا تقريرا للعرف الدولي السائد قبل انعقادها، أي أنها كانت تقريرا مستمرا لتطبيقات القانون الدولي العرفي.
ومن المفارقات أن المشرع في اتفاقية جنيف الرابعة وتحديدا في مادته الأولى أوجب على جميع الدول المنضمة لاتفاقية جنيف الرابعة أن تحترم هذه الاتفاقية وأن تضمن احترامها في جميع الأحوال. وكأن المشرع الدولي توقع أن تقوم دول بخرق نصوصه وتتذرع بحجج وأحابيل لذا أوجب على الدول المختلفة المصادقة على هذه الاتفاقية أن تلزم الدولة المخالفة الأخرى باحترامها في جميع الأحوال وفي جميع الظروف.
وكان من بين هذه الدول الموقعة والمصادقة على اتفاقيات جنيف الأربع لعام ١٩٤٩ ومنها اتفاقية جنيف الرابعة، (الكيان الصهيوني). لذا فمن المفترض أن تطبق "إسرائيل" هذه الاتفاقية وتنصاع لأحكامها من تلقاء ذاتها. إلا أن "إسرائيل" أدركت هذه القاعدة القانونية مبكرا، فقامت بمحاولة مكشوفة للالتفاف عليها عبر زعمها بأن الأراضي الفلسطينية أراض غير محتلة، وبأن اتفاقية جنيف الرابعة غير قابلة للتطبيق عليها. ولما رفض المجتمع الدولي الحجج "الإسرائيلية" ابتدع (الصهاينة) بدعة جديدة التفافية، حيث زعموا أنهم يطبقون اتفاقية جنيف الرابعة على الأراضي الفلسطينية من ناحية إنسانية ولكنهم لن يعترفوا بها من ناحية قانونية. وكانت ذريعتهم المستمرة قضية السيادة على الأراضي المحتلة، مع أن المشرع الدولي في عام ١٩٤٩ لم يتطرق لموضوع السيادة لا من قريب ولا من بعيد حتى لا يخل بتنفيذ تطبيق أحكام اتفاقية جنيف الرابعة. وكان الشغل الشاغل للمشرع الدولي البعد الإنساني لسكان وأهالي الأراضي المحتلة ولم يكترث بالموضوع الجدلي المتعلق بالسيادة حتى لا يعطل الموضوع الإنساني.
وعليه كان من الواجب على الدول التي صادقت وانضمت إلى اتفاقية جنيف الرابعة وهي تقريبا جميع دول العالم أن تحترمها وأن تدعو الدول الأخرى لاحترامها. وكان عليها أن تبين ذلك "لإسرائيل" وتدعوها لإحترام نصوص هذه الاتفاقية وإلا عرَّضت نفسها للعقوبات الدولية. لكن تلك الدول تقاعست أو تآمرت على فرض الجزاءات الدولية على (الكيان الصهيوني) بطريقة منافقة وملتوية بل أسست لمعايير مزدوجة قادت إلى تهرب "إسرائيل" من التزاماتها الدولية، ووجدت حماية دولية من بعض الدول وبخاصة الغربية المنافقة.
فالدول الغربية وقفت حجر عثرة في وجه عقد مؤتمر دولي لبحث جرائم "إسرائيل" في الأراضي الفلسطينية المحتلة وعلى رأسها جريمة الإستيطان. وهو أمر ليس بالجديد، فقد بدأ الإستعمار "الإسرائيلي" في الأراضي الفلسطينية المحتلة من زمن بعيد. وشاركت فيه حكومات (الكيان) على اختلاف توجهاتها من بدايات الإحتلال حتى يومنا هذا. صحيح أن حجم الإستيطان كان أقل، وقد ابتدأ مع أيام حزب العمل (الصهيوني) الذي يتباكى اليوم على "حل الدولتين" بسبب الاستيطان المكثف وكأنه مع استيطان محدد منضبط مع أن كليهما خرق خطير للقانون الدولي الإنساني وجريمة حرب.
وإمعانا من الغرب بنفاقه، قام بوصف الاستيطان بأنه عقبة بوجه "السلام"، ولم يصفه بوصفه الحقيقي بأنه خرق خطير وجسيم لاتفاقية جنيف الرابعة، وبأنه جريمة حرب. ولو تابعت أي مؤتمر صحفي لأي قيادي غربي لوصفه بأنه عقبة في طريق "السلام" ولن يستعمل الإصطلاح الذي قررته اتفاقية جنيف الرابعة. وقطعا هم في الغرب لا يستعملون اصطلاح جريمة حرب للإستيطان "الإسرائيلي". ومن نافل القول أنهم لا يستعملون وصف العدوان "الإسرائيلي" لغزو القوات "الإسرائيلية" للأراضي الفلسطينية المحتلة عام ١٩٦٧. وللأسف الشديد وقع البعض عندنا في شرك هذا المصطلح الغربي المخفف للاستيطان، فبدلا من أن يسمى الإستيطان استعمارا لبيان وجهه الحقيقي، إذا بِنَا نجمله بمنتجات ومساحيق "ماكس فاكتور" ونجعله عقبة للسلام فقط!
وليت نفاق الغرب توقف عند المصطلح على أهميته، بل تجاوز إلى المضمون والجوهر. فالدول الغربية التي وثقت وأدانت الإستيطان "الإسرائيلي" عبر قراراتها المتعاقبة، رفضت وبإصرار شديد أن تجعل من التوثيق والإدانة فعلا يستوجب المقاطعة والجزاء. واستمرت في هذا الموقف الهزلي على مر العقود الخمسة للإحتلال "الإسرائيلي" (للأراضي الفلسطينية المحتلة عام 67). فلهذا اليوم لم يرتق التصرف الغربي إلى حد فرض جزاء دولي واحد على (الكيان الصهيوني) لخرقه قواعد اتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بالإستيطان، وكأنه ممنوع على هذه الدول الغربية، الإقتراب من موضوع فرض أي جزاء على "إسرائيل" مهما اقترفت ومهما ارتكبت من جرائم حرب.
وبخيال بسيط، نستطيع أن نتصور مدى الضيق والعنت الذي يمكن أن تجابهه "إسرائيل" لو طبقت الدول الغربية عشر ما طبقت على العراق بعد غزوه الكويت. فكيف ستعيش "إسرائيل" في ظل حظر جوي أو بحري أو هاتفي أو جمركي أو اقتصادي أو انتقالي أو دبلوماسي أو سياسي، بل كيف ستعيش "إسرائيل" في ظل قطيعة ثقافية أو مقاطعة الجامعات لها، وهو أمر يبدو بسيطا في مجموعة الجزاءات الدولية.
ولعل دليل النفاق الغربي يبدو جليا واضحا من قضية وسم منتجات المستوطنات المسوقة في أوروبا. فبدلا من أن تقوم المجموعة الأوروبية بخاصة والغربية بعامة بحظر منتجات المستوطنات حظرا تاما في أسواقها، لأن المستوطنات جريمة حرب وفق المواثيق والمعاهدات التي صادقوا عليها، إلا أنهم وَيَا لخجلهم وعارهم يكتفون بوسم أي منتج استيطاني في السوق الأوروبية، ويتركون الخيار للمستهلك البسيط البريء الذي لا يميز ولا يفهم معنى الوسم ولا يهمه سوى السعر الرخيص. وكأنهم عمليا وفي إطار نفاقهم لم يتخذوا سوى خطوة شكلية لا تقدم ولا تؤخر، ولعلهم بعد صدور قرار مجلس الأمن الأخير رقم ٢٣٣٤ يعيدون النظر في سياساتهم النفاقية المتحيزة، ويحظروا جميع منتجات المستوطنات "الإسرائيلية".
يجب أن يستغل الغرب فرصة صدور قرار مجلس الأمن الأخير، ليطور موقفه من احتلال "إسرائيلي" طويل الأجل كولونيالي يقوم على الأبارتهايد، بحيث يفرض جزاءات على المحتل "الإسرائيلي" بدل الاكتفاء بكلمات غبية تقال في محفل هنا أو هناك، فالأفعال دائما أقوى من الأقوال!!
المحامي إبراهيم شعبان
