تحطمت أحلام كثيرمن الشباب الفلسطيني على صخرة الواقع المر، بعضهم أراد الحصول على شهادة جامعيّة والعمل والتأسيس لحياة كريمة. لكنه في النهاية، وجد نفسه يعمل في محال تجارية وغيرها. فالشابان محمد بسام ديب (22 عاماً) و يوسف رابح (25 عاماً) يعيشان في مخيّم عين الحلوة في ظل أوضاع وظروف صعبة، بسبب ندرة فرص عمل للشباب الذين اضطر إلى ترك مقاعد الدراسة والعمل في مهن عدة، ومنهم من حصل على الشهادة الجامعية ظناً بأنها ستساعدهم في تحمل مشقة الحياة لكنهم لم يعملوا بها.
يتحدّر ديب من مدينة حيفا في فلسطين. لطالما حلم بحياة أفضل من التي يعيشها اليوم، هو الذي أراد الحصول على شهادة جامعية.
ورغم الحياة الصعبة التي يعيشها، تراه يبتسم دائماً. وحتى لو حصل على شهادة جامعية، كان يخشى عدم التمكن من إيجاد فرصة عمل في ظل تفشي البطالة، بالإضافة إلى منع القانون اللبناني الفلسطينيين من مزاولة مهن عدة. على أيّ حال، لم يحصل على شهادة جامعيّة.
صحيح أنّه كان يذهب إلى المدرسة، إلا أن الحظّ عاكسه واضطر إلى ترك مقاعد الدراسة قبل الأوان، وساقه القدر إلى العمل في محل لبيع البن والبهارات في مدينة صيدا. في الوقت الحالي، بات يحب عمله ويتقنه، وقد اعتاد على حياته كما هي اليوم.
يقول محمد: "تركت المدرسة حين كنت في الصف الثامن أساسي. لم أكن كسولاً أو غير راغب في التعليم. على العكس، كانت علاماتي جيدة، ولطالما رغبت في متابعة تعليمي والحصول على شهادة جامعية، أو تعلم مهنة فأكون قادراً على تأمين مستقبل أفضل وبناء عائلة، لكن ظروفي لم تسمح لي بذلك". يضيف: "قبل سنوات، انفصل أمي وأبي. إثر ذلك اضطررت إلى ترك المدرسة لمساعدة أمي التي تعمل في مجال الخياطة في المخيّم". كان يدرك جيّداً أن والدته عاجزة عن تأمين احتياجات الأسرة لوحدها.
يتابع أن شقيقتيه أيضاً تركتا المدرسة، في ظل عدم قدرة والدته على تأمين مصاريفها، وتزوجتا صغيرتين. ويوضح أنه في البداية، كان والده يقدم لهم القليل من المال. "بعدما كبرنا وبلغنا السن القانوني، توقّف عن مساعدتنا، ولم نعد نراه إلّا مرة واحدة في الأسبوع".
يضيف محمد أن ما أتقاضاه لا يكفيني ولا يسد احتياجات المنزل. لكن لحسن الحظ أن البيت ملك لعائلته، وبالتالي ليس مجبراً على تأمين بدل إيجار المنزل. يضيف أن هذا الأمر يخفف الأعباء عنه. يضيف: "لطالما حلمت بأن أتابع تعليمي، من دون أن أتمكن من الأمر. في الوقت الحالي، آمل أن أتزوّج وأنجب أطفالاً". رغم أنه يعيش حياة مختلفة عن تلك التي حلم بها، إلا أنه ما زال متفائلاً بغد أفضل، ولو كان مختلفاً.
أما بالنسبة إلى الشاب رابح الذي يعيش أيضاً في مخيّم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين في جنوب لبنان، والذي تخرَج قبل سبعة أشهر من إحدى جامعات لبنان، مع شهادة في التصوير والإعلانات، كان كلّه أمل في إيجاد فرصة عمل في مجال تخصصه، ولكنّ الأمور لم تكن ميسّرة أمامه.
سعى رابح إلى الحصول على شهادة جامعية، على الرغم من كلّ ما عاناه، ظناً منه أنّها سوف تساعده في تأمين مستقبله. يقول: "أحلامي كانت كثيرة، عند تخرّجي. وكنت أفكّر في أمور كثيرة، وكيف أنّني سوف أجد العمل المناسب". لكن، شأنه شأن أيّ لاجئ فلسطيني، هو محروم من حقوق كثيرة، لا سيّما العمل. ويشير إلى أنّ "الوضع الاقتصادي المتأزم في لبنان يؤثّر كذلك بطريقة سلبية وكبيرة على الفلسطيني الذي كثيراً ما يصل إلى حدّ اليأس. نحن نعاني الأمرّين". يضيف أنّ "الطالب الفلسطيني يعاني من تلاشي أحلامه. وهو ما يعاني منه أهله كذلك، في ظلّ عدم توفّر فرص عمل".
ويخبر رابح أنّ "خلال مرحلة التعليم الجامعي، يواجه الطالب الفلسطيني صعوبة كبيرة على خلفية ارتفاع أقساط الجامعات الخاصة. ويعمد الأهل إلى الاستدانة من أجل توفير المطلوب، وكلهم أمل في أن يتمكّن ابنهم من سدّها بعد التخرّج والعمل". ويتابع أنّ "المشكلة الأكبر تظهر عندما ينهي تعليمه الجامعي، إذ تبدأ رحلة العذاب.. رحلة البحث عن عمل. فعند تقديمه طلب استخدام في أي من الشركات، تسقط كفاءته وكذلك تعليمه بمجرّد معرفة جنسيّته. القانون يحكم ذلك". ويشير إلى أنّ "ذلك يدفع به إلى التفكير في السفر والهجرة. لكنّه يجد نفسه مرّة جديدة مستهدفاً، خصوصاً إذا رغب في التوجّه إلى دول الخليج التي تمنع سفر الفلسطينيين إليها لأسباب لا أعرفها".
وإذ يرى الآفاق مسدودة أمام الفلسطينيين، يوجّه الشابان ديب ورابح رسالة إلى المعنيين بالشأن الفلسطيني وإن كانا يعلمان بأنّها لن تلقى صدى. يقول: "لا بدّ من أن نؤسس اتحاداً شاملاً لضمان الكرامة الإنسانية للشعب الفلسطيني. ومن مهام الاتحاد المطالبة بحقّ عمل الفلسطينيين في لبنان، وبفتح أبواب الخليج وغيرها من دول عربيّة أمامهم". ويشدّد رابح على أنّ "ثمّة خطراً كبيراً يواجه الفلسطينيّين، لا سيّما في ما يتعلق بموضوع تجهيلهم ومحاربتهم في لقمة عيشهم. لذا، على كلّ الأطراف الفلسطينية تحمّل مسؤوليتها تجاه أبناء شعبنا، خصوصاً في مخيمات اللجوء".
المصدر: العربي الجديد