وكالة القدس للأنباء – متابعة
يسمّر الشّاب الفلسطيني أنس الجرجاوي نظره على شاشة حاسوبه، ينقر على أزرار لوحة المفاتيح، محاولاً إصلاح ما أفسده الاحتلال، ليبدأ من حكايات الأجداد، من هناك... منذ أحداث النّكبة وتصارع الأجيال للحفاظ على التّراث المسلوب، والحق المشروع.
يجلس الجرجاوي يومياً أمام شاشة حاسوبه لخمس ساعاتٍ متواصلة، ويعمل على تدعيم المحتوى الفلسطيني باللغة العربيّة عبر الموسوعة العالميّة الحرة «ويكيبيديا»، وهو المحتوى المُشوَّه الكيان الصهيونيياً، المسلوب إعلامياً، المهمَّش عربياً ودولياً.
يأتي مشروع إثراء محتوى فلسطين في «ويكيبيديا» ضمن مبادرةٍ من «المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي» (حملة) الذي يتّخذ من مدينة حيفا المحتلّة مقرّاً له، ويمتدّ المشروع إلى أرجاء الضّفة الغربيّة وقطاع غزّة.
وفي حديث لـ «السفير»، يقول الجرجاوي: «نعمل كخليّة نحل: فريقٌ لتدعيم المحتوى الفلسطيني، وآخر لإنشاء محتوى نقي صحيح، وثالث لتعديل المحتوى المغلوط وحمايته من الهجمة الالكيان الصهيونييّة المضادة»، مضيفاً: «تشمل العملية تدعيم المحتوى بالمعلومات عن الجغرافيا والتّاريخ كافة، الصّراع مع العدو، ومعلوماتٍ عن التّراث الفلسطيني، حتى الأكلات الفلسطينيّة ونباتات فلسطين، وتربتها وصخورها، والأماكن الدينيّة والمقدّسات الإسلاميّة».
ويعمل الجرجاوي منسقاً للمشروع في غزّة، بالتّعاون مع زملائه الـ15، بدعمٍ من المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، أمّا في الضّفة وأراضي الـ48، فيبلغ الطاقم 45 عضواً، خضعوا لتدريبات مكثّفة في كيفيّة التّعامل مع «ويكيبيديا».
ويؤكّد الجرجاوي على وجود صراعٍ لتعديل المحتوى مع العدو، حيث تمتلك الكيان الصهيوني جيشاً للعمل على «ويكيبيديا»، يراقب المقالات الفلسطينيّة باللغة العربية ويُعدّل محتواها بناءً على رغباتهم ومصالحهم.
ويوضح أنّ «صراع التعديلات من الطرف الالكيان الصهيونيي، ثمّ إرجاع المحتوى لأصله من الطرف الفلسطيني، يدفع الموسوعة إلى منع إمكانية التعديل، وإبقائها حسب أهواء الصهاينة، كما حدث في مقال العدوان الالكيان الصهيونيي على القطاع صيف العام 2014 باللغة الإنكليزية».
بدورها، تقول منسقة المشاريع في مركز «حملة» روزالين حصري لـ «السفير» إننا «نحاول من خلال الفريق إثراء المحتوى الفلسطيني على الموسوعة الحرّة، وتصحيح صورة فلسطين أمام العالم والدفاع عن حقوقنا المسلوبة».
وبِحسب حصري، فإنّ المشروع يستهدف الصحافيين والحقوقيين والنّشطاء والمهتمين من الجنسَين بالنشر عبر الموسوعة الحرة.
ويشرف خبراء من «ويكيبيديا» على الدورة التي عملت على تأهيل الطاقم من الناحيتين النّظريّة والعمليّة، على كيفيّة إنشاء محتوى، وطرق التّعديل والتّطوير عليه بناءً على سياسات استخدام الموسوعة الحرة.
وتوضح حصري أنّ إضافة المحتوى تعتمد على أسس البحث واستخدام المصادر في عمليّة التّوثيق والتّحرير، من خلال الاستعانة بخبرات العاملين في الشركة الأم «ويكيبيديا».
وتكشف حصري أنّ المركز ينوي توسيع المشروع من خلال ورشات عمل لطلّاب المدارس والجامعات، والوصول لأكبر عدد من الفلسطينيين للعمل معهم على تدعيم المحتوى وتعزيزه.
وخُصِّص فريق غزّة لدعم وتعزيز الجوانب القانونيّة وتوثيق انتهاكات العدو لحقوق الإنسان، سواء في الأراضي المحتلة، أو في عدوانه على القطاع، أو المجازر وهدم البيوت في القدس والضّفة.
وتنبع أهمية المشروع من قوة محتوى «ويكيبيديا» للمعلومات، واعتمادها كمصدر أساسي حقيقي، حيث تؤكد حصري أنّ محرك البحث «غوغل» يُظهر نتائج «ويكيبيديا» كأوّل خيار للباحث وعليه يأخذ الموجود كمسلّمات.
وتشدّد حصري على ضرورة مشاركة جميع الفلسطينيين في نشر معلومات حقيقيّة موثوقة لمجابهة الرواية الالكيان الصهيونيية في أحقّية أرض فلسطين وتراثها، لافتةً الانتباه إلى أنّ مشاركة العرب في تدعيم المحتوى معدومة تماماً.
بدوره، يرى المحرر المراجع في «ويكيبيديا» محمد حجاوي أنّ المحتوى العربي ضعيف جداً ولا يرتقي للمنافسة مع المحتويات باللغات الأخرى، على الرغم من أنّ الناطقين بالعربية كثر.
ويشدّد في حديث لـ «السفير» على ضرورة إنشاء محتويات باللغتين الإنكليزية والعبرية عن فلسطين، موضحاً أنّ «ويكيبيديا العبريّة تعزّز الرواية الالكيان الصهيونيية وتدعم الحق الالكيان الصهيونيي في فلسطين، لذلك يجب إنشاء مقالات عبرية عن فلسطين».
وعن المشاكل التي تواجه المحررين، يشير إلى أنّ عليهم الالتزام باتّفاق السلام المبرم في أوسلو والذي يعترف بالوجود الالكيان الصهيونيي، وأيّ تجاوز يتمّ حذف المحتوى أو تعديله بناءً على سياسة الموسوعة التي تعزز اتّفاقات السلام.
ويلفت الانتباه إلى أنّ المحررين الالكيان الصهيونييين يدعّمون رواية الدولة العبريّة، ما يجعل العالم متعاطفاً معهم، كما يدّعون أنّ التراث الفلسطيني عبارة عن تاريخٍ الكيان الصهيونيي يُثبِت وجودهم على أرض فلسطين.
ويضيف حجاوي أنّ فريق عمل «ويكيبيديا» يسعى لجعل الموسوعة تحلّ في المرتبة الأولى من حيث النتائج عبر المحركات كافةً، وعلى رأسها «غوغل»، مشيراً إلى أنّه على الفلسطيني الانتباه جيداً لضرورة تعزيز محتواه باللغات كافة للوصول للعالم.
ورغم أنّ مشاركات «ويكيبيديا» العربية أضعف من المشاركات العبريّة، إلّا أنّ الأولى مشتّتة في محتواها، نظراً لانشغال الدول العربيّة بمشاكلها، بينما الثانية تركز على الوجود التّاريخي الالكيان الصهيونيي في فلسطين.
من جهتها، تقول العضو المشارك في فريق غزّة نادية أبو شعبان لـ «السفير» إن «هنالك نقصاً في التّسويق الإعلامي للقضيّة الفلسطينيّة، وهذا المشروع يقوّي الوجود الفلسطيني على مواقع الانترنت».
وترى أبو شعبان أنّ القضيّة الفلسطينّية هي القضيّة الاكثر عدالة، لكنها تحتاج إلى فريق عمل مميّز لمجابهة جيش «ويكيبيديا» الالكيان الصهيونيي المُخصّص لتلميع راية العدو، وكسب ثقة الرأي العام لمصلحة كيانه.
وتدعو إلى وجود فريق عمل مُتخصّص يتّبِع مساراً مُمنهجاً في نشر المعلومات الفلسطينيّة على الموسوعة الحرة، معتبرة أن «ويكيبيديا منصة إعلاميّة جديدة للترويج لمصلحة القضيّة الفلسطينيّة».
وتطالب أبو شعبان المؤسسات الرسمية والحكومية بتخصيص كادر فيها لدعم المحتوى العربي الفلسطيني، ونشر معلومات حقيقية في ظلّ الهجمة الشرسة الالكيان الصهيونيية ضدّ فلسطين وسرقة التّراث.
المصدر: صحيفة "السفير"
