في الذكرى الأربعين ليوم الأرض:

وثيقة "كينغ" ودولة "الأبارتهايد" وتعاملها مع الفلسطينيين

29 آذار 2016 - 02:45 - الثلاثاء 29 آذار 2016, 14:45:58

من المباراة
من المباراة

عشية الذكرى الاربعين ليوم الارض الذي يصادف الثلاثين من اذار، وفي اجواء فعاليات اسبوع مناهضة الابارتهايد "الاسرائيلي" الذي يصادف ايضا في شهر اذار، لا بد من نظرة جديدة وتحليل معمق ل”وثيقة كينغ” للإجابة على السؤال اذا كان بالإمكان اعتبار “وثيقة كينغ” “مستند مؤسسي” لكون النظام في "اسرائيل" نظام ابارتهايد بحسب تعريف القانون الدولي.

في شهر ايلول 1976 نشرت صحيفة “عل همشمار” "الاسرائيلية" ما بات يعرف باسم “وثيقة كينغ”، وتضم هذه الوثيقة توصيات لكيفية التعامل مع الفلسطينيين داخل "دولة اسرائيل"، والذين يعتبرون مواطنين في "الدولة" حسب القانون "الاسرائيلي"، ولم يعرف سبب نشر هذه الوثيقة في ذلك الوقت رغم انها "وثيقة سرية" ويبقى ذلك للتكهنات والتحليلات، ولكن على الأغلب يأتي نشر هذه الوثيقة ضمن مخطط الترهيب والردع الذي تتحدث عنه الوثيقة نفسها.

سميت “وثيقة كينغ” على اسم كاتبها، يسرائيل كينغ، وهو من نسب اليه تحضير هذه الوثيقة، رغم وجود مؤشرات اخرى تشير الى مشاركة اخرين في تحضير هذه الوثيقة، مثل تسفي الدروتي الذي اعتبر “خبيرا” في الشؤون العربية والذي تولى عدة مناصب رسمية كان أهمها مدير عام مكتب رئيس الوزراء. أما يسرائيل كينغ فقد تولى منصب مدير عام لواء الشمال في وزارة الداخلية مدة 26 عاما ابتداءا من عام 1967 ، واعتبر مسؤولا مباشرا عن الجزء الاكبر من الفلسطينيين في الداخل والذين يسكنون شمال البلاد.

وقد تم تحضير “وثيقة كينغ” على مرحلتين، الجزء الاول قبل يوم الارض عام 1976، أما الجزء الثاني (الملحق) فتم تحضيره  بعد ذلك، ويستدل منها أن الحكومة "الاسرائيلية" هي التي اوصت بتحضيرها، لتكون بمثابة توصيات واستراتيجية  لتعامل المؤسسة "الاسرائيلية" مع المواطنين العرب.

وتنطلق هذه الوثيقة من فرضية ان المواطنين العرب، والذين يشكلون خمس المواطنين في "الدولة"، هم أعداء، متخلفون لا يفهمون الحداثة او الديموقراطية، ويجب التعامل معهم من هذا المنطلق وعلى هذا الاساس.

تبدأ الوثيقة بمقدمة تستعرض “المشكلة” وتنتقد المسؤولين "الاسرائيليين" والطريقة والادوات الذين تم التعامل بهما حتى ذلك الوقت لحل هذه المشكلة. وتعتبر الوثيقة ان عقلية المسؤولين "الاسرائيليين" الذين عالجوا الموضوع كانت ”شبيهة بالعقلية العربية، وليس دائما تميزت بمستوى تفكير وتنفيذ اعلى من السكان المعالجين ومصالحهم”، وتضيف الوثيقة في مقدمتها انه لم يكن هناك علاج متعمق وموضوعي “لضمان المصالح اليهودية – القومية الى المدى البعيد”، وتضيف انه ”لم يتم تحضير الادوات التي تضمن ارتباطهم واعتمادهم بالمجتمع اليهودي بشكل كاف وفعال”.

وتعرض الوثيقة خمس مواضيع لعلاجها وهي المشكلة الديمغرافية وإفرازات القومية العربية، القيادات العربية وتبعاتها، الاقتصاد والعمل، التربية والتعليم وتنفيذ القانون. وتعرض الوثيقة توقعاتها في هذه المواضيع وتوصياتها لحل المشاكل وضمن استراتيجية لتدجين العرب وضمان  تفوق اليهود عليهم.

تشير الوثيقة الى ان المواطن العربي لم يعد مهزوما كما خطط له، وان التواصل  مع سكان الضفة الغربية ادى الى “انتصاب قاماتهم” مما ادى بهم الى التعبير الكلامي عن اراء وطنية، وهذا – بحسب الوثيقة- مربوط بازدياد اعداد السكان العرب في الشمال، لذلك توصي الوثيقة  في توسيع عملية تهويد الجليل وفحص امكانية تهجير السكان العرب وتنسيق تام وكامل لجميع المؤسسات الحكومية لتنفيذها بشكل صارم. بالإضافة الى ذلك تدعو الوثيقة الى “بذل كل الجهود لتوحيد كل الاحزاب الصهيونية حول اجماع في موضوع عرب "اسرائيل" – لإخراجهم من الخلافات السياسية الداخلية” بمعنى ان لا يكون للممثلين العرب في البرلمان اي تأثير يذكر.

وتذكر الوثيقة في جزئها الثاني ان “اليهود التي انيط بهم علاج هؤلاء السكان” وجعلهم “مخلصين” لدولة اليهود لم ينجحوا في ذلك، و”ان هذه السياسة لم تأخذ بالحسبان الشخصية العربية الشرقية والسطحية والغير عميقة، والتي يزيد بها الخيال على الواقع″،  وتوصي الوثيقة الى “تغيير معظم المعالجين للوسط العربي”، والى ” تعيين فريق عمل خاص (المخابرات الداخلية) لتقصي تصرفات شخصية لقادة “راكاح” واشخاص سلبيين اخرين ونشر ذلك امام جمهور منتخبيهم”، وكذلك ملاحقة كل الشخصيات “السلبية”.

اما في موضوع الاقتصاد والعمل فقد اشارت الوثيقة الى الخطر الكبير في اعتماد الكثير من فروع العمل في "اسرائيل" على العمال العرب، وتضيف بلغة عنصرية فاشية ان العرب نجحوا بجمع “سيولة نقدية كبيرة”، وان ”الضمان الاجتماعي والاقتصادي الذي يحرر الفرد والعائلة من الهموم والتوقعات للضغوطات اليومية تعطيه، بعلم او دون علم، التفرغ لأفكار “اجتماعية – وطنية”. لذلك توصي الوثيقة الى تحديد عدد عمال العرب في المصانع وتفضيل تشغيل العمال اليهود على العرب. وتضيف الوثيقة ان ”على الحكومة ايجاد سبيل لمنع اعطاء مخصصات العائلة كثيرة الاولاد للعرب، سواء عن طريق ربطها بالوضع الاقتصادي او نقل هذه المخصصات من يد التأمين الوطني واعطاءه للوكالة اليهودية او الوكالة الصهيونية لتكون موجهة لليهود فقط”.

في موضوع التربية والتعليم عند الشباب العرب فترى الوثيقة بازدياد تعليمهم خطرا يجب مواجهته، وتوصي الوثيقة باتخاذ اجراءات لتقليص عدد المتعلمين العرب ”وتشجيع توجيه الطلاب الى مواضيع مهنية دقيقة وعلوم طبيعية، هذه المجالات تبقي وقتا قليلا للتفرغ للأعمال الوطنية والتسرب منها كبير” .

كما وتوصي الوثيقة الى ”تسهيل السفر الى الخارج من اجل التعليم والى جعل عودتهم وايجاد عمل صعبة – هذه السياسة قد تشجع هجرتهم”. اما في موضوع ”تنفيذ القانون” فتشير الوثيقة الى ان العرب مخالفون للقانون بشكل كبير ومن ضمن ذلك في موضوع البناء وتوصي الوثيقة بتشديد الرقابة عليهم وملاحقتهم لكي تقوم بردعهم.

بعد يوم الارض الاول في 30 اذار 1976 ونجاح الاضراب العام في الداخل الفلسطيني والالتفاف الجماهيري الواسع حول القيادة العربية، تم اصدار الجزء الثاني او ملحق للوثيقة. وقد وجد المسؤولون عن تحضير الوثيقة فيما جرى يوم الارض تمرد وعصيان مدني يشرعن  توصياتهم العنصرية والحاجة الى تشديد ورقابة اكبر على السكان العرب وأوصت تعيين لجان حكومية لتنفيذ ما جاء في الوثيقة.

لا شك ان ما جاء في هذه الوثيقة من تمييز عنصري ضد المواطنين العرب يشكل دستورا نموذجيا لنظام ابرتهايد، ينظر الى العرب انهم سطحيون ومتخلفون بحاجة الى علاج خاص ومراقبة دائمة،  ويسعى الى خلق واقع فاشي يلاحق العرب في شتى المواضيع، يشجع العرب على الهجرة ويمنع منهم حقوقهم الشرعية كمواطنين في "الدولة" وبالمقابل يعمل على رفع الامتيازات لليهود، ويبحث عن طرق تحايل التفافية لتنفيذ المشروع العنصري مثل نقل بعض الصلاحيات الى اجسام فاشية مثل الوكالة اليهودية او الوكالة الصهيونية لخدمة اليهود فقط.

اضف الى ذلك  الى ذلك فانه يعمل على توحيد كل الاحزاب اليهودية لمنع اي تأثير للأحزاب العربية داخل البرلمان. ليست بأيدينا وثائق او مستندات رسمية تثبت أن الحكومة "الاسرائيلية" قد تبنت هذه الوثيقة، لكن من المعروف في النظام السياسي والقانوني "الاسرائيلي" ان قرارات لجان التحقيق المعينة تلزم الحكومة "الاسرائيلية"، لكننا لا نعرف ما هي الوضعية القانونية للجنة التي حضرت الوثيقة.

على اية حال فان الوظيفة الحكومية التي كان يتولاها يسرائيل كينغ، كمدير عام لواء الشمال في وزارة الداخلية يعطي هذه الوثيقة صبغة رسمية وتنقل واجب الاثبات الى الحكومة "الاسرائيلية" الى انها رفضت هذه الوثيقة ولم تتبناها.

وتبقى امامنا امكانية فحص تبني الحكومة "الاسرائيلية" هذه الوثيقة العنصرية من خلال فحص الممارسات على ارض الواقع، بحيث يتبين لنا بشكل قاطع ولا يقبل التأويل، انها اصبحت استراتيجية ودستور التزمت به جميع الحكومات "الاسرائيلية"، عدا فترة قصيرة في عهد اسحق رابين عندما اعتمد في ائتلافه على اصوات الاعضاء العرب في البرلمان رغم ابقائهم خارج الائتلاف، مما ادى الى قتله، ولم يشفع له بذلك تاريخه الارهابي ضد الفلسطينيين.

بعد اصدار هذه الوثيقة بدأت عملية ضخمة لتهويد الجليل تحت اسم “مخطط تطوير الجليل” اقيمت خلالها عشرات المستعمرات “لليهود فقط”، نقل اليها مئات الالاف من اليهود للسكن بالجليل، وبالمقابل عملت الحكومات المتعاقبة على تشجيع هجرة العرب خارج البلاد. واستمرت مضايقات المواطنين العرب من خلال مصادرة اراضيهم وسلب املاكهم ومحاولة هزم نفسيتهم ولعل اكبر اثبات على ذلك ما جرى في شهر اكتوبر من عام 2000 عندما قتلت قوات الجيش والشرطة ثلاثة عشرة مواطنا عربياً دون اي سبب في محاولة لردع العرب من رفع رؤوسهم والمطالبة بحقوقهم.

ورغم مشاركة الاحزاب العربية في الانتخابات للبرلمان في "اسرائيل" الا انه لا يوجد لهم اي تأثير على مجريات الامور وذلك تنفيذا لتوصيات الوثيقة في اخراج الممثلين العرب خارج الاختلافات الداخلية، وكل ذلك بتوحيد الاحزاب الصهيونية ضد اي مشاركة فاعلة للأحزاب العربية باتخاذ القرارات.

اما مخصصات التأمين الوطني للأطفال والتي كان العرب يحظى منها بجزء متساو مع الاطفال اليهود فقد قلصت بشكل كبير جدا، وتم ايجاد قنوات اخرى لتعويض الاطفال اليهود فقط. ومن مراقبة مخصصات التأمين الوطني للاطفال نرى انه حتى عام 1976 كانت في ارتفاع مستمر ومنذ ذلك العام بدأت بالتراجع، وبالمقابل تم ايجاد قنوات اخرى لتعويض الاطفال اليهود عبر دفع مخصصات ومكافآت للخادمين بالجيش.

وبخصوص دور الوكالتين اليهودية والصهيونية الفاشيتين فلم ينط بهم دفع مخصصات التأمين الوطني للأطفال وانما نقلت اليهم صلاحيات التطوير، ومن ضمنها الميزانيات الضخمة التي وصلت الى مليارات الدولارات، والتي تم ضخها الى البلدات اليهودية فقط بادعاء ان هاتين الوكالتين لخدمة اليهود فقط. وتم اخضاع التعليم العربي في البلاد الى جهاز المخابرات العامة، بحيث لا يمكن تعيين مدير او حتى معلم دون موافقة المخابرات، ولم يسعف التوجه الى المحاكم "الاسرائيلية" لتقليص دور المخابرات في هذه التعيينات، الذي تأكد من خلالها ان ممثلا لجهاز المخابرات العام هو المسؤول عن هذه التعيينات، وكذلك فان مضامين التعليم قد اخضعت الى “المختصين” في محاولة لترويض السكان العرب وجعلهم “مخلصين” كما ذكر في الوثيقة.  

وبخصوص “تنفيذ القانون” وافقار السكان العرب فقد اصدرت السلطات "الاسرائيلية" اوامر هدم بحق نحو 50000 بيت وفرضت على المواطنين العرب غرامات باهظة وصلت الى مئات الملايين من الدولارات مما ادى الى انهاكهم وافقارهم تنفيذا للتوصيات التي ذكرت في الوثيقة.

من هنا، فإنني اجزم ان هذه الوثيقة تم تبنيها وتنفيذها وممارستها من قبل الحكومات "الاسرائيلية" المتعاقبة كاستراتيجية متفق عليها ضد المواطنين العرب، بحيث اصبحت الدستور الممأسس لنظام الفصل العنصري في الداخل الفلسطيني.

"رأي اليوم" الإلكترونية / بحث وإعداد جهاد أبو ريّا

محامٍ فلسطينيّ وناشط سياسيّ

انشر عبر
المزيد