في خضم الصراعات التي تعصف بعدد من الدول العربية، صدرت دراسات ومقالات تعيد النظر في المقولة - المفتاح لفهم الصراع في منطقتنا، وهي مركزية القضية الفلسطينية لدى الأمة العربية والإسلامية. انتقدها البعض بكل وضوح وغيّبها آخرون لتحليل الواقع والعمل على تغييره، باعتبار أن قضية فلسطين ليست إلا إحدى قضايا الأمة التي يجب حلها، بعد أو بالتوازي مع صراعات أخرى. كيف يمكن فهم هذه المقولة اليوم، على ضوء فكر الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي، مؤسس حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين وأمينها العام الأول؟ كيف ترتبط قضية فلسطين بقضايا الأمة الأخرى ولماذا تحتل مركز الصراع "الكوني" كما يراه الشهيد الشقاقي؟ هل التأكيد على مركزية فلسطين هو فقط شعار يلتف حوله من يلتف في مراحل معينة أم أنه يرتّب الأولويات بوضوح ويضمن قراءة الواقع وفهم تعقيداته، للانطلاق نحو تحرير الأرض من دنس الاحتلال وبناء الإنسان والمجتمع؟
خصص د. فتحي الشقاقي دراسات ومقالات لشرح ماذا يعني بمقولة "مركزية القضية الفلسطينية" لدى الحركة الإسلامية المعاصرة ولدى الأمة، العربية والإسلامية، انطلاقاً من سعيه لتغيير الواقع الذي وصلت اليه مجتماعاتنا. فيؤكد أن "هذا ليس شعاراً مجانياً التقط من بين خيارات متعددة وليس رفعاً لأهداف آنية أو مرحلية ولكنه الشعار الاستراتيجية التي فرضها التقاء تاريخنا الحديث والمعاصر بالمطلق القرآني"، في محاولة لإقناع الحركة الإسلامية، في ذلك الوقت، بتبني هذا الشعار، ليس بالقول فحسب، بل في الممارسة أيضاً: "إن الحركة الإسلامية مطالبة اليوم بأن تعطي لفلسطين خصوصيتها (المنسية) وأن تؤكد على مركزيتها في النظرية والتطبيق (في فكرها وممارستها).
لم تكن إذاً هذه المقولة اعتباطية أو خيالية، كما يعتقد البعض، بل "وصلنا الى هذا الفهم بعد أن استطعنا أن نمتلك المنهج القرآني الذي قادنا الى فهم الإسلام بكافة أبعاده، وفهم الواقع، وفهم العالم"، أي بعد دراسة علمية متعددة الجوانب، قادته هو وإخوانه في السبعينيات من القرن الماضي، الى اعتبار زرع الكيان الصهيوني في قلب الأمة، عقائدياً وجغرافياً وواقعياً، هو جوهر المشروع الاستعماري في المنطقة، الذي يعني التجزئة والتبعية والتغريب والتخلف، وهي المفردات الملتصقة بإقامة الكيان الصهيوني والتي حاول الدكتور الشقاقي شرح كيفية ارتباطها ببعض. ما يعني أنه لا يمكن فهم أهمية قضية فلسطين والسعي لتحريرها إلا بالعودة الى المشروع الاستعماري ككل، وقراءاته في السياق التاريخي، والى واقع التجزئة والتبعية الذي ينبثق منه، كما لا يمكن فهم واقع كل دولة عربية على حدا أو بالجملة، إلا بالعودة الى مركزية دور الكيان الصهيوني في المشروع الاستعماري، المتمثل بترسيخ التبعية والتجزئة، والتغريب والتخلف.
ما يميّز فكر الشقاقي عن الأفكار التي طرحها مفكّرون آخرون تناولوا مسألة العلاقة بين هذه المفردات، التجزئة والتبعية والتغريب والتخلف، مقابل الاستقلال والوحدة والأصالة والتقدم، وعلاقتها بإقامة الكيان الصهيوني، هو أولاً التعامل مع مجموعها وليس مع مفردة واحدة أو اثنتين منها، ما يسقط المفكّر أو المدرسة الفكرية التي ينتمي اليها بإرباك أو بشرك إحداها، كما هو الحال عندما يسلط الضوء على التخلف مثلاً وكأنه أساس المشكلة، غير أن ذلك يكّرس واقع التبعية والتغريب، في حين أن استثناء واقع التغريب، أي الغزو الفكري الملازم أو السابق للاحتلال والتجزئة، وإبعاد الحضارة والثقافة الإسلامية، كمكوّن أساسي في ضمير ووجدان الأمة، لتبني الفكر "المعاصر" (الغربي) وتجلياته في السياسة والاجتماع والاقتصاد ونمط الحياة، يوقع القائل به في شرك التبعية ويقطع الصلة بين الماضي والحاضر، ويعزل النخبة المتغربة عن مجتمعها. أما الأخذ بالتغريب فقط أو الغزو الفكري دون التنبّه الى واقع التجزئة والتبعية وزرع الكيان الصهيوني في قلب المنطقة فيسمح بالتماهي مع واقع التجزئة والتبعية وبتكريسهما.
ثانياً، ترتيب هذه المفردات وجعل من زرع المستوطنة الصهيونية في الموقع المفصلي للمشروع الاستعماري، وذلك لأن "إقامة دولة إسرائيل... تعتبر أهم وأخطر وأعنف أشكال الحرب الشاملة، وبقيامها واستمرار وجودها في القلب من الوطن الإسلامي تكون الهجمة الغربية قد نفذت أهم وأخطر مهماتها.. فنحن هنا لا نواجه مجرد تحدّ عسكري أو مجرد تحد فكري، وإنما تجمعاً استيطانياً عدوانياً في مكان مهم وحساس من الوطن الإسلامي يعطي للصراع كل أبعاده التاريخية والحضارية والعقدية والفكرية إضافة إلى الأبعاد العسكرية والسياسية والاقتصادية. وبقيام إسرائيل لا تصبح ثقافة الأمة فقط هي المهددة بل وجودها برمته. إن إقامة إسرائيل تعني أيضاً تأكيد تكريس كل المراحل السابقة: استمرار غياب النظام السياسي الإسلامي، وتدمير المؤسسات الإسلامية، واستمرار محاولة تدمير العقل المسلم، والتجزئة والتغريب".
عدم الأخذ بعين الاعتبار بمركزية القضية الفلسطينية في صراعنا مع الاستعمار يقود الى انزلاقات خطيرة، ومنها التوهّم بإمكانية تغيير الواقع، ولا سيما التبعية للدول والقوى الأجنبية، إذا لم يوجّه السلاح ضد الكيان الصهيوني خلال أي محاولة لتغيير واقع ما. يؤكد الشهيد الشقاقي أنه "طالما استمرت "إسرائيل" موجودة ستظل تبعيتنا للغرب قائمة على كافة المستويات الفكرية والسياسية والاقتصادية والعسكرية ولن نستطيع أبداً أن نقيم مشروعنا الخاص".
كيان العدو هو إذاً "قلب المشروع" الاستعماري، وليس من الصدفة، يقول الشقاقي، أن تتم اتفاقية سايكس بيكو المجزئة للأمة في الوقت الذي يتم فيه الاتفاق على اغتصاب فلسطين. وفي مقابلة صحفية (8/1989) حيث شدّد على أن "جوهر الصراع في المنطقة هو الصراع بين المشروع الاستعماري والمشروع الإسلامي، بين التحالف الغربي الصهيوني وبين الأمة العربية والإسلامية"، يوضّح أين تقع فلسطين في هذا الصراع: "إن هذا الجوهر يكمن ويتركز الآن في فلسطين ويشكل خطراً على كل الأمة العربية وكل الأمة الإسلامية، وبالتالي، اذا أردنا أن نواجه المشروع الاستعماري علينا أن نبدأ من هنا، من فلسطين. فلسطين هي مقتل المشروع الاستعماري لأن "اسرائيل" هي قلب هذا المشروع".
إن تبنّي مفهوم "مركزية فلسطين لدى الأمة العربية والإسلامية" يمنح الأدوات الفكرية اللازمة لفهم الواقع وتصويب البوصلة في مسار تغيير الواقع ومواجهة الظلم والاستلاب و"التخلف" في مجتمعاتنا، وهو المصطلح الذي استخدمه الشهيد مراراً لوصف حالة الأمة بعدما اجتاحتها "القابلية للاستعمار" وأصبحت عاجزة عن توليد فكر واقتصاد وسياسة مستقلة، وسمحت باختراق المجتمعات بكل تفاصيلها، لعدم ثقتها بنفسها وتاريخها وعدم قدرتها على العثور على مكوّنات قوتها.
كما أن تبنّي هذا المفهوم في صراعنا مع الاستعمار والهيمنة الغربية يفضح أوهام الذين راهنوا على الغرب الاستعماري، من الأنظمة العربية والإسلامية، وقوى سياسية واجتماعية، لتغيير الواقع والتخلص من الغزو الصهيوني (قوى فلسطينية وعربية) أو من نظام استبدادي (قوى عربية) أو لنيل الاستقلال ضمن حدود التجزئة. أدخل الشقاقي مفهوماً آخر لفهم الترابط بين التبعية والغزو الصهيوني والتجزئة، في دراسة مميزة عن "الاستقلال والتبعية في الحوض العربي – الإسلامي"، وهو "تماسك نظام التبعية" وكتب في هذا السياق: " يستدعي هذا التماسك إلى أن تكون عملية الاستقلال لا بد أن تواجه دوائر التبعية جميعها، كلاً على حدا ومعاً في الآن نفسه"؛ وتابع قائلاً إن "محاولة للاستقلال الاقتصادي ولامتلاك ناصية القرار السياسي في ظل حدود الدولة الوطنية الصغيرة دولة التجزئة سيكون ضرباً من المناورة في التاريخ، كما أن محاولة إيهام الذات بأن الكيان الصهيوني محدود الخطر بمنطقة جغرافية وعلى شعب معين، هو انحراف في رؤية التاريخ والواقع على السواء. إذ أن استمرار بقاء هذا الكيان سيكون خطراً على الناس وعلى ثقافتهم وعلى استقلال المنطقة وعلى خياراتها في التنمية والنهضة." ما يؤكد على شمولية المعركة، التي تتطلب منهجية ترتّب الأولويات.
ماذا تعني فعلاً هذه المقولة – المفتاح في الوقت الحاضر الذي يشهد الصراعات والانقسامات والحروب الداخلية، وتدخّل القوى الأجنبية فيها، بحيث لم يعد يُسمع صوت فلسطين وصوت المقاومة والانتفاضة ضد الغزو الصهيوني؟ مع العلم أن هذه القضية المركزية لم تختف من وجدان وضمير الشعوب العربية والاسلامية، رغم كل المساعي السلطوية والغربية لمحو فلسطين عن الخارطة السياسية وحث المجتمعات على تطبيع علاقاتها مع الكيان الصهيوني من أوسع أبوابه.
بالنسبة للشعوب العربية والاسلامية وقواها السياسية والاجتماعية، تعني "مركزية القضية الفلسطينية" في الوقت الحاضر، وعلى الأقل، عدم إفساح المجال لتدخل القوى الاستعمارية الغربية في شؤون الأمة، ورفض إملاءاتها مقابل "المساعدات" و"المشاورات" التي تقدمها، ورفض التطبيع مع الكيان الصهيوني، والصفقات التجارية والأمنية، والفنية والرياضية، وغيرها، التي تفرضها أحياناً المؤسسات الدولية على الدول العربية والاسلامية مقابل انخراطها في ما يسمى "المجتمع الدولي"، بسبب إجرامه في فلسطين ودوره في تجزئة الأمة وتكريس التبعية للقوى الأجنبية، التي أصبحت تتحكم بكل مفاصل معظم الدول "الوطنية". من اتفاقيات الغاز والاتفاقيات الأمنية الى المناهج التعليمية والمباريات الرياضية، يشهد العالم العربي والإسلامي موجة تطبيع علنية غير مسبوقة، تدلّ على فقدان البوصلة والغرق في التبعية المطلقة لقوى الاستعمار، كما تدلّ أولاً على فقدان القلب النابض لهذه الأمة. فرفض التطبيع يعيد توجيه البوصلة الى فلسطين، ويدعم في الوقت ذاته استقلالية القرار السياسي عن القوى المهيمنة في العالم، في حين أن الانزلاق الى مسار التطبيع المتعدد الأوجه مع الكيان، يكبّل البلدان ويجعلها أسيرة لهذه القوى ويمنع الشعوب من التحرر والاستقلال. أما الإبتعاد عن "مركزية القضية الفلسطينية"، ولو الى حين، أي ضياع بوصلة النضال والجهاد، فيساعد على اختراق الأمة ومكوناتها من قبل المؤسسات الدولية والقوى الأجنبية، ويكرّس "القابلية للاستعمار" في مجتمعاتنا.
لهذه الأسباب، تبقى مقولة "مركزية فلسطين والقضية الفلسطينية" في قلب الصراع ضد الهيمنة والتجزئة والتغريب، وما زالت تشكل بوصلة القوى الساعية الى تحرر الإنسان والمجتمع والأمة، رغم تشويش المشهد في الوقت الحاضر. فهي ليست شعاراً فارغاً بل منهجية فكر وعمل، وليست تقوقع "شوفيني" على أرض مسلوبة نتغنى بجمالها وفلكلورها، بل انفتاح واسع على الأمة التي تنتمي إليها فلسطين، ومصيرها.
المصدر: وكالة القدس للأنباء