بعد 64 عاماً على تدميرها عشية النكبة الفلسطينية أحيت إسرائيل مجدداً سكة الحديد الحجازية في المنطقة الممتدة بين حيفا وبيسان بطول 60 كيلومترا وذلك لتحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية عدة. وشارك مدير عام وزارة المواصلات الإسرائيلية بتدشين سكة الحديد التي تسير بسرعة 160كيلومترا في الساعة، وأعلن أنها ستقدم خدمات سفر مجانية حتى نهاية العام الجاري، مشيرا إلى أن السكة المتجددة تهدف للحد من أزمة السير وتبديد الوقت وتشجيع السياحة وبقاء الشباب في هذه المنطقة الريفية.
وقد تم بناء السكة الجديدة بمحاذاة مسار السكة التاريخية من حيفا إلى بيسان في غور الأردن (7 في المئة من سكة الحديد الحجازية التاريخية) وستستخدم لنقل المسافرين والبضائع.
وفي مثل هذا اليوم من عام 1905 تم تدشين خط القطار بين حيفا ودرعا السورية (161 كيلومترا) من خلال مرج بن عامر كمبادرة عثمانية بواسطة مهندسين ألمان. ومن وراء « الحجازية « قصدت اسطنبول علانية تيسير خدمات السفر للحج بيد أن هدفها غير المعلن يكمن في تقصير المسافات ونقل الجنود في حال نشوب الثورات. وكانت السكة التي تدخل فلسطين من رأس الناقورة قادمة من لبنان، سوريا وتركيا قد ساهمت في تطوير البلاد وتيسير مهمات المسافرين. وفي1948 فجرت الصهيونية السكك الحديدية لمنع تقدم الجيوش العربية ومنذ ذاك الوقت وهي معطلة. ففي ليلة 16 يونيو/ حزيران عام 1946 والمعروفة بتاريخ الصهيونية بليلة الجسور قام إرهابيو «البلماح» بتفجير جسور السكك الحديدية في مناطق الحدود ولاحقا فجر إرهابيو «الهجاناه» جسر للقطار شرق العفولة في 3 مارس/آذار 1948. وغداة النكبة توقف قطار حيفا- بيسان عن السير إلا بسفرات خاصة وفي 1952 تمت آخر رحلة له.
حيفا – دمشق.
وستربط السكة هذه بشبكة السكك الحديدية القطرية في البلاد مما يسهل المواصلات بين شمالها وبقية أرجائها كما ستبلغ السكة الجديدة الأردن من منطقة معبر جسر الشيخ حسين في المرحلة الثانية من البناء. وبحسب وزير المواصلات الإسرائيلي يسرائيل كاتس فإن الأردن معني بالسكة من أجل تيسير نقل البضائع المصدرة لإسرائيل ولأوروبا عبر ميناء حيفا.
يشار إلى أن المشروع يحيي جزءا من سكة الحديد الحجازية التاريخية التي كانت قبل 1948 تربط بين حيفا إلى دمشق عن طريق بيسان ومجامع النهرين والحمة ودرعا بـ12 ساعة. إضافة لمباني شراء التذاكر مخروطة الشكل أبرزها بناء مخروطي من الحجر البازلتي الأسود قبيل مدينة بيسان من الجهة اليمنى ومثله بين سمخ والحمة ما زالت في المنطقة الممتدة بين حيفا وبيسان بقايا 19 محطة لسكة الحديد الحجازية التاريخية.
ومن أجمل وأبرز هذه المحطات محطة تل الشمام (مستوطنة كفار يهوشع اليوم) التي كانت تتبع للسكة العثمانية والمنحوت اسمها على لوحة رخامية في عمارة مبنية من الحجر قائمة. وقد بات الموقع مزارا يتم فيه استعراض تاريخ السكة الحديدية وما زالت الكثير من محطات ومكاتب سكة الحديد الحجازية التاريخية قائمة في عمارات حجرية متطابقة بشكلها وتصميمها الهندسي في أماكن عدة داخل أراضي 48 وهي بمعظمها مبان مهجورة.
ذكريات
ويقول الحاج محمد سرحان أبو أحمد المقيم في الفريديس قضاء حيفا لـ «القدس العربي» إنه يتذكر جيدا سكة الحديد الحجازية عندما كانت تمر من مدينته بيسان التي هجر منها بعد احتلالها من قبل العصابات الصهيونية. وفي محطة القطار الحجازية غرب مدينة بيسان أشار أبو أحمد إلى بيت أبو العز الأرناؤوطي، بوسني الأصل مدير المحطة طيلة فترة الاستعمار البريطاني وحتى 1948. وإلى جهة الغرب بيت محمد حسن أبو خليل مفتش المحطة من قرية قومية المهجرة في قضاء بيسان.
ويتوقف القطار الجديد في منطقة غرب بيسان: وقبيل محطتها التاريخية حيث ما تزال هناك بناية حجرية على شكل مخروط استعمل الطابق الأسفل للحراسة فيما استخدم الطابق الثاني مستودعا للمياه. وهناك أيضا بقايا مضخة للمياه للقطارات التي تعمل بالبخار وبجوارها بناية كانت تستخدم مخزنا للبضائع. ويشكل القطار بالنسبة لأبي أحمد صاحب الذاكرة النادرة بقوتها أكثر من مرفق اقتصادي مهم، فهو بمثابة حامل لذكريات طيبة يوم كان يستخدمه للسفر إلى حيفا وطبريا ودمشق مقابل قرشين ونصف أو قرشين كما يقول، ويضيف «ليس أجمل من السفر في القطار خاصة أيام الربيع حينما كان يتجول في ربوع الوطن المخضر». ويستذكر أبو أحمد أن سرعة القطار كانت بطيئة في المرتفعات حيث لم تتجاوز الثلاثين كيلومترا، لافتا إلى أنه كان بوسع راكب فيه أن ينزل منه ويعود ويعتليه وهو مستمر بالسير. وهذا ما أكد عليه الشيخ محمود مصطفى الذي عمل مفتشا في قطار الحجازية قبل أن يهجّر وأهله من بلدته شعب قضاء عكا إلى لبنان عام 48. خلال تلك الزيارة قبل نحو 20 عاما أكد الشيخ مصطفى خلال زيارته لمسقط رأسه أن القطار كان يسير في تلك المنطقة بسرعة قليلة تتيح للمسافرين التمتع بالطبيعة الساحرة خاصة في الربيع.
20 دقيقة
وبخلاف لافتة في واجهة السكة تشير بالعربية أيضا إلى«سكة الحديد الحجازية» فإن المشروع الإسرائيلي الجديد الذي يستعيد مشروعا تاريخيا يطمس رواية المكان الفلسطينية ويستبدلها برواية صهيونية في التسميات والرسومات والصور والشروحات والخرائط. اصطحبنا برحلة الحجازية الجديدة نورة وحسين وهما تلميذان في المرحلة الإعدادية يحرمان من التعرف على رواية شعبهم وتقدم لهما كعشرات الآلاف من أترابهم الرواية الإسرائيلية.
ومن العفولة إلى بيسان استغرقت رحلة القطار بـ « الحجازية» 20 دقيقة ممتعة من السفر وسط مشاه الكروم والحقول الرومانسية وسط مرج بن عامر بين جبال الناصرة وجبل فقوعة الدرع الشمالي لمدينة جنين، مصدر الينابيع الفياضة الغزيرة والجميلة في ساحل أكبر مروج فلسطين وأكثرها خصوبة ( مرج بن عامر). هذه الرحلة القصيرة تستغرق ثلث ساعة لكنها كانت كافية لاستعراض محطات وملامح بارزة في تاريخ وجغرافية فلسطين خاصة في شطرها الشمالي. وتوفر النظرة العابرة عبر النافذة فرصة للعودة للوراء في نفق الزمان إلى قرون خلت وحوادث انقضت وما زالت منقوشة بصخرة التاريخ كمعركة عين جالوت الفاصلة بين المماليك والتتار والتي تمت في سفح جبل فقوعة عند عين جالوت حيث تتدفق واحدة من أجمل وأغزر عيون الماء في البلاد. وعبر النافذة أيضا كانت تتبدل المشاهد بسرعة القطار وتروي بصمت رواية المكان إذ تمتد على سبيل المثال مستوطنات كثيرة قامت على أنقاض سلسلة من القرى الفلسطينية التي دمرتها الصهيونية عام 1948 مثل قرى المرصص قومية ويبلى وشطة والأشرفية وتل الشوك والساخنة وغيرها.
وعند بلوغ مرج بيسان ضيعة فيروز الظليلة يمر القطار بجوار سجن شطة حيث يقبع المئات من الأسرى الفلسطينيين خلف القضبان وهم رسل الشعب الفلسطيني في معركته من أجل التحرر من نير احتلال هو نتيجة صراع دام عمره بعمر سكة الحديد الحجازية. استمعت نورة وحسين بخشوع لتضحيات هؤلاء الأسرى ممن ضحوا بزهرات شبابهم في سبيل كرامة وعزة وحقوق شعبهم. لكن أسراب طيور اللقلق التي تغطي السماء أدهشتهما بكثرتها وجمالية مسيرتها الجماعية في موسم جديد نحو الجنوب.
وفتحت الرحلة» التاريخية الجغرافي « شهية حسن ونورة على المزيد من الفضول وسماع قصة الطيور المهاجرة من أوروبا نحو إفريقيا مفضلة التحليق في أجواء غور الأردن حيث الهواء يسخن ويتعالى من أسفل للأعالي بحركة لولبية تمكن الطيور من التقدم دون جهد فما عليها إلا مد أجنحتها طيلة أميال فوق خط ما يعرف بحفرة الانهدام الكبير أو الشق السوري الأفريقي الممتد من تركيا حتى أوغندا مرورا بالأغوار الأردنية – الفلسطينية. توارت الطيور المهاجرة التي كانت تهبط في محيط أحواض سمك اصطناعية للراحة وتناول الطعام، فعادت المشاهدة الرومانسية في مرج بن عامر تجتذب نورة وحسين من جديد وهما يحدقان بعيون تنظر لبعيد حتى قطعت نظرات التأمل قرعات جرس القطار وصوت سائقه مبلغا ببلوغ نهاية المسير.
المصدر: صحيفة "القدس العربي"