عمر الغباري
هذه ملاحظة سريعة على ترمنولوجيا مبلبلة بين فلسطين الوطن، الدولة، السلطة. فلطالما لفت نظري في بيانات ومواقف صادرة عن شخصيات ومؤسسات في السلطة الفلسطينيّة أنّ "محافظات الوطن" في نظر هؤلاء هي فقط تلك الواقعة في الضفة الغربية وقطاع غزة. في الأيام الأخيرة مثلًا، أصدرت محكمة العدل العليا الفلسطينيّة قرارًا بشأن الانتخابات البلدية وجاء في نص القرار، الذي تلاه رئيس هيئة المحكمة، هشام الحتو، خلال الجلسة التي عقدت في مدينة رام الله، أن "المحكمة تصادق على تنفيذ قرار مجلس الوزراء الفلسطيني القاضي بإجراء الانتخابات المحلية في كافة الهيئات في فلسطين، ما عدا قطاع غزة".
وكان واضحًا أن القرار يقصد بفلسطين الضفة الغربية فقط، ولم يشمل الجليل أوالمثلث أو النقب. وفي أعقاب هذا القرار أعلن رئيس الحكومة الفلسطينيّة في مستهل الجلسة الأسبوعية للحكومة ما يلي: “انطلاقا من إيماننا بوحدة الأرض والشعب، فإن مجلس الوزراء يقرر بالتشاور مع الرئيس تأجيل الانتخابات أربعة أشهر...." ومن الواضح هنا أيضًا أن رئيس الحكومة الفلسطينيّة يقصد بالأرض أرض الضفة وغزة فقط، وأن الشعب الذي يؤمن بوحدته، بناء على هذا التصريح، هو الشعب المتواجد في الضفة وغزة. فكيف يستقيم هذا، ورئيس الحكومة ليس بحاجة إلى تعريفه بأماكن تواجد أبناء الشعب الفلسطيني؟ هذه ليست زلّة لسان.
هذا موقف. هذه رؤيا سياسية. هذه تربية وطنيّة. إن تكرار هذه المواقف وشرعنة هذه الترمنولوجيا سوف يساهم بلا شكّ في خلق خطاب سياسي جديد يعبّر من ناحية لغويّة "فقط" عن الموقف السياسي الرسمي، ولكنه في الحقيقة يحمل بين طيّاته تذويتًا لحجم الوطن الفلسطيني المنقوص وتضييقًا للرؤيا الفلسطينيّة ولجمًا لحدود النصال.
قبل فترة حضرت مؤتمرًا فلسطينيّا عقد في بيت لحم وصعقت عند سماع عريف المؤتمر يحيّي الضيوف الذين توافدوا إلى القاعة من "جميع محافظات الوطن، من جنين شمالًا حتى الخليل جنوبًا" وعبّر عن أسفه أن أحدًا لم يستطع الحضور من قطاع غزة بسبب الحصار. وبدأ الجمهور يتبادل نظرات الحرج من هذا الترحيب الغريب، وخاصة أن عددًا لا بأس به من الحضور هم ناشطون قد جاؤوا من الناصرة وحيفا واللد وأم الفحم.
لا يخفى على أي فلسطينيّ أن السلطة في رام الله ومعها العديد من الأطر الدوليّة، بما فيها الأمم المتحدة والدول الغربية والعربيّة، تعترف بالجزء المحتل أولا من فلسطين عام 1948 كإسرائيل وأن دولة فلسطين، وفقًا للقرارات الدوليّة، إن قامت أصلًا فستقوم في الضفة وغزة والقسم الشرقي من القدس. ومن الواضح أن السلطة الفلسطينيّة وأنظمة عربية عديدة قد تبنّت هذا الموقف وتتصرف في المحافل السياسية والدبلوماسية بناء عليه.
ورغم ذلك، يجدر التبيه إلى الفرق بين الدولة والوطن. فأصحاب الموقف السياسي المذكور أعلاه ورغم خطورته الإستراتيجيّة يمكنهم تبرير "الحكمة البراغماتيّة" من وراء حلّ الدولتين، وتمكن مناقشتهم حول ذلك، وهو نقاش حول الطرح السياسي وعدد الدّول التي يمكن إقامتها أو لا يمكن إقامتها. لكن هذه الدول، أي الأطر سياسيّة، وبغض النظر عن عددها وأسمائها فهي كلها ستُقام في مكان اسمه فلسطين. الجغرافيا اسمها
فلسطين. يبقى اسمها فلسطين حتى لو لم يكن الحكم فيها فلسطينيًّا. هكذا كان أيام الاحتلال البريطاني. فالتنازل اليوم عن تسمية جزء من الوطن بفلسطين هو رسالة سياسيّة خطيرة. من يوافق على وجود كيانات سياسيّة أخرى في فلسطين فقد تنازل ربما عن سيادته على ذاك الجزء من الوطن، ولكن لا يمكنه ينكر أن ذلك الجزء هو جزء من الوطن. وسيبقى كذلك مهما كان وضعه السياسي أو الاستعماري. حلّ الدولتين ليس معناه حلّ الوطنين. حتى من يطرحه من الفلسطينيين يؤمن بأن إسرائيل قائمة على إرض فلسطين، لا على أرض إسرائيل. وإلّا ففي ذلك خطورة مضاعفة.
لذلك، فإن محافظات الوطن "أشمل" من جنين، و"أجنب" من الخليل، و"أشرق" من غزة، و"أغرب" من رام الله. الجليل والمثلث والساحل والنقب وعكا والرملة وصفد هي أجزاء من فلسطين الوطن حتى إن لم تكن مشمولة في الدولة الفلسطينيّة المطروحة رسميًّا. وعليه فإن المتحدّث الفلسطينيّ مطالب بالتدقيق في مصطلحاته، لأن من رضخ أمام تقزيم فلسطين الدولة فهو غير مكره على تقزيم فلسطين الوطن، ويجب الًا يسمح بمحو أيّ جزء فيه من وجدان وذهنية وهويّة ووعي وإرث الكينونة الفلسطينيّة.
في هذا الوضع السياسي الردئ يمكن لمن يتطرق إلى شؤون السلطة الفلسطينيّة أن يستعمل مصطلحات وتعابير واضحة مثل محافطات السلطة الوطنية الفلسطينية، أو الهيئات الفلسطينيّة في الضفة والقطاع ولكن لا هيئات ومحافظات الوطن.
هذا الفكر يتناغم مع مطالب إسرائيل وطموحها في انتزاع اعتراف فلسطيني بدولة اليهود وأرض إسرائيل وعلينا الانتباه لذلك. وإسرائيل تغذّي مثل هذا الخطاب وتروّج له. وعندما يذوّته الفلسطيني ويردّده فهذا أخطر، لأنه سيعطي شرعية لأطراف عالمية أن تبنّاه، وسيضعف الحركات السياسية الراديكالية الداعمة لفلسطين في العالم. وأختم مع هذه التجربة الصاعقة، فإنّي وبطريق الصدفة وصلت إلى موقع "إسلاميّ" على شبكة الانترنت يسمّى islamicfinder والذي يسوّق نفسه "كمنصة للمجتمعات الإسلاميّة في أكثر من 20000 مدينة في جميع أنحاء العالم"، وصلت إليه عندما بحثت عبر "چوچل" عن أوقات الصلوات في فلسطين، لأجد أن قائمة "كل مدن فلسطين" لا تشمل إلا مدن الضفة وغزة. حتى أنها لا تشمل القدس. وعندما بحثت فيه عن القدس وجدتها ضمن قائمة المدن الإسرائيليّة كما الناصرة وأم الفحم. لا أدري من يقف وراء هذا الموقع وكيف اتخذ القرار بشأن "قائمة المدن الفلسطينيّة"، ولكني للأسف لا أستطيع لوم القائمين عليه وأنا أدري أنّ فينا، ومن قيادتنا، من يقول نفس الكلام. نحن نعمل كمنصة للمجتمعات الإسلامية في أكثر.
المصدر: وطن للأنباء
