رغم تجاوزه الثمانين، بقيت علاقته بالريشة والألوان قوية، لم تتمكن سنوات إبعاده عن هذا الفن، من استمرار تعلقه به إلى أن أتيحت له الفرصة ولو بعد سنين.
وكان الجليل وما يعنيه له من حب الأرض وعشق ترابه، رفيق حلمه طوال كل تلك الفترة.
إنه الجد مصطفى درويش أحمد، كما يحب البعض أن يطلق عليه ، فيما البعض الآخر يلقبه بمصطفى الجليل، نسبة إلى انتمائه لقرية الزيب، وهو من مواليد العام 1935، وسكان مخيم البص في صور بجنوب لبنان.
لم يتعلم في جامعات أو معاهد أكاديمية، لكنه امتلك موهبة منحته دفئاً وبراعة وذوقاً وفهماً في التعامل مع واقعه والألوان.
رسم قرى وطبيعة فلسطين، وهي التي لم تبارح مخيلته، لينقل ملامحها للأجيال والعالم، متباهياً بها، وبجمالها وعطائها.
روى أحمد علاقته بالرسم لـ"وكالة القدس للأنباء"، فعبر عن محبته ورغبته بالتعاطي مع الريشة منذ نعومة أظفاره، غير أنه تعرَض للتأنيب والعقاب من قبل بعض المدرسين، بخاصة عندما حاول أن يزين لوح الصف ببعض رسومه، معتبرين أن ما يقوم به "مضيعة للوقت".
في نفس الوقت لم يلق تشجيعاً من الأهل، فذبلت فكرة الرسم في داخله لكنها لم تمت.
تعلم فن التصوير تعويضاً عن هوايته الأولى، على أن هذا الفن استكمال للرسم بالعدسة.
فتح استديو أطلق عليه أسم الجليل في صور، ثم انتقل من التصوير الفوتوغرافي إلى التصوير السينمائي، وتابع تطوره، فكان أول من أدخل الفوتو ديجيتال إلى لبنان في العام 1998، لينتقل بذلك من التصوير الضوئي إلى التصوير الرقمي.
وبعد الضغوط التي تعرض لها في عمله، وصعوبة الحصول على إجازة عمل، ودفع الضرائب الباهظة اضطر إلى الهجرة إلى كندا، حيث افتتح أولاده هناك "ستديو الجليل"، وهو هنا يقول:"الجليل ملتصق بي وأنا وأولادي ملتصقون به".
وعندما حاول التقاعد، ولم يرتح لأجواء المقاهي وما يدور بها في قتل الوقت بلا فائدة، بدأ يبحث عن ذاته من خلال العودة إلى هواية الرسم القديمة، إلى أن جاءه أحد أبنائه الدكتور محمد، وطلب منه العودة إلى الألوان، محضراً له كل المستلزمات المطلوبة، ولكنه رفض في البداية، غير أنه خضع أخيراً ورسم لوحة صغيرة، نقلها ابنه إلى كندا، حيث لاقت صدى، فطلب منه تكرار التجربة فاستهوته، مضيفاً إليها دروساً في رسم الطبيعة والشخصيات.
وهكذا عادت لهذا الجد الر ائع روع الإبداع من جديد، فرسم مناظر من فلسطين، والآن يتحلق حوله الأطفال والشباب طالبين منه تعليمهم الرسم، ونقل تجربته إليهم.
يبتسم أحمد مرحباً بالجيل الجديد، مشجعاً لهم دراسة هذا الفن، لنقل وجه فلسطين إلى العالم من خلاله.