وكالة القدس للأنباء - خاص
يستوقفك وأنت تزور معرض "بحر من حكايات" المقام في "دار النمر للفن والثقافة"، عمل فني رائع ومعبَر للفنان الفلسطيني عبد الرحمن قتناني، وهو يحاول من خلاله نقل صورة عن ملامح ومعاناة شعبه الفلسطيني.
تحدث الفنان "إبن تجمع الداعوق" وابن مدينة يافا المحتلة، عن بداياته بالرسم، فقال:"بداية كانت الموهبة تبرز عبر الرسومات الكاريكاتيرية على حيطان المدرسة وجدران المخيم، وبعد أن أكملت مرحلة الثانوية ، دخلت معهد فنون جامعي وحزت على شهادة الماجستير، وتحولت بعدها أكثر نحو فن إعادة استخدام المواد المعدمة من حديد وخشب وقطع قماش وغيرها وتحويلها إلى تحف فنية، تعبر عن قضايا ومعاناة المخيمات في الشتات."
وأضاف في حديث لـ"وكالة القدس للأنباء":"في الفترة الأخيرة بدأت أعمل بالمنحوتات والشريط الشائك، وهي تحكي أكثر عن حالة اللجوء،و كوني لاجئاً فمن الطبيعي أن أتبنى فكرة اللجوء كجسر عبور لأعمالي الفنية، وأحاول أن أعبر عن الحالة النفسية للاجئين الفلسطينيين داخل المخيمات."
وأوضح قتناني:"استخدمت الشريط الشائك كي أصنع موجة البحر "تسونامي"، وقمت بعرضها في معرض "بحر من حكايات" ، فالموجة التي تبتلع البشر تمنع هروبهم من مشاكلهم ومعاناتهم، وفي مثل هذا العمل نحن نهرب من خلال البحر ولكن البحر الآن أصبح يبتلع الناس، حتى البحر ليس لديهم القدرة على الهرب من خلاله، وبالنسبة لي الموجة عبارة عن أسلاك شائكة، فبين جمالية الموجة والمياه الحلوة ، إلى صلابة الحديد والشريط الشائك الذي ممكن إن يجرح يندمج المفهومان المتناقضان مع بعض في هذا العمل".
وأشار الفنان الفلسطيني إلى أنه " اشتغل فترة بمادة "الزينكو"، وقال:"كنت أصنع من الزينكو مجسمات أطفال يلعبون في زواريب المخيم، لأن الزينكو من المواد التي عاشت معنا منذ بداية تأسيس المخيمات، فبالنسبة لي الزينكو عاش معنا نفس المعاناة تحت الشمس والماء وتحت العفن في المخيم، ونحن ننتظر منذ النكبة لإيجاد حل ولكنه لم يأت، فأصبحنا نشبه الزينكو، واخترت الأطفال لأن الطفل حين يلعب في زاروبة المخيم يتخايل حاله كأنه يعيش بأجمل مكان، لا يتخايل حاله إنه عايش بمخيم وتعتير، لا يفكر بالسياسة ولا بالاقتصاد ولا يفكر بالحدود... فبالنسبة له المخيلة هي أكبر حرية، وأنا أعتبر المخيلة هي أهم بداية كي نكون أحراراً، لأن أكبر إحتلال هو إحتلال الفرد لنفسه، فإذا اردنا أن نصل للحرية التي نطمح لها يجب علينا أن نحرر أنفسنا كأفراد أولاً".
وأوضح أنه استخدم قطع القماش من ثياب الناس التي تعيش في المخيم، لأنها كانت تحمل روحية الناس ومعاناة الحياة اليومية داخل المخيم، كونها تعيش معهم لفترة طويلة .
وفي ما يتعلق بفن رسم الكاريكاتير يقول قتناني بأنه رسم رسومات كريكاتيرية كثيرة ضد الفساد داخل المخيمات، ولكنه لم يطلق عليها أسماء كغيره من زملائه الكاريكاتيريين، ولكنه توقف عن الرسم بسبب الإشكالات والتهديدات التي تسببت له الرسومات الناقدة للفصائل الفلسطينية وواقع المخيم، كلما حصلت مشكلة في المخيم وتقاعس أحد التنظيمات في حلها، أنتقد الحالة ورسم أو ألصق رسم كريكاتيرعلى أحد جدران المخيم، وكان يشارك شباب المخيم بدهان جداريات المخيم ورسمها مرات عديدة.
وعن الصعوبات التي تعترضه ، حصرها بصعوبة المكان وضيق المساحة في المخيم، كي ينتج لوحات وأعمال فنية، ورغم كل المعارض التي قام بها في كثير من بلدان العالم لا زال قتناني يسكن في بناية مستشفى غزة، أحد التجمعات الفلسطينية التعيسة التي لا تمت للعيش الأدمي بصلة، ولكن هذا الفنان المبدع كله إصرار بأن هناك نافذة جميلة نحو المستقبل الأفضل لشعبه، ورغم كل المعاناة التي يواجهها تبقى فلسطين هي الوجهة الأساس في كل أعماله.
يتمنى قتناني على الطفل الفلسطيني بأن يختارما يراه مناسباً في بناء مستقبله وبأن يعطي وقته لخدمة فلسطين وقضايا شعبه، لأننا شعب عريق له ماض وتاريخ مشرف في النضال والكفاح، وكل ما نفعله في أعمالنا الفنية هو لنقول للعالم بأن هناك شعباً مظلوماً له تراثه وهويته وأرضه أخرج منها قسراً.
هكذا هم المبدعون الحقيقيون قولاً وعملاً، ونحن مع هذا الفنان وغيره في تفاؤله بالمستقبل، وبأن الليل مهما طال لا بد من فجر جديد. وفي كل الوقائع والظروف تبقى فلسطين نجمة الصبح القادم.
