/مقالات/ عرض الخبر

الوزير العروبي .. وعقدة الفلسطينيين في لبنان

2016/09/21 الساعة 07:34 ص
الوزير اللبناني جبران باسيل
الوزير اللبناني جبران باسيل

فتحي كليب

هي ليست المرة الأولى التي يتعرض فيها وزير الخارجية اللبنانية ورئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل بشكل جارح للفلسطينيين في لبنان من خلال مواقف، وإن اعتاد عليها اللاجئون الفلسطينيون في لبنان أمام كل حدث له علاقة بالمخيمات أو على علاقة بتطورات داخلية لبنانية، ولا نجد لها سبباً إلا في إطار السجالات والصراعات السياسية والطائفية والكسب المذهبي الرخيص..

فقد قال رئيس التيار الوطني الحر الوزير جبران باسيل خلال "مؤتمر الطاقة الاغترابية " المنعقد في نيويورك يوم 17 أيلول "أنا مع إقرار قانون منح المرأة الجنسية لأولادها لكن مع استثناء السوريين والفلسطينيين للحفاظ على أرضنا" وتابع يقول "أنا مع حق المرأة المتزوجة من أجنبي بإعطاء الجنسية اللبنانية لأولادها لكن دستورنا وتركيبتنا لا يسمحان بمنح الجنسية إلى ٤٠٠ ألف فلسطيني".

مجرد الحديث في محفل اغترابي قد يعطي الوزير باسيل عذره، والجميع يعلم معنى الاغتراب اللبناني وأهميته بالنسبة للأحزاب التي ترى باغترابها مادة دسمة على أكثر من مستوى سياسية ومادية. لكن ما نجد لمعالي الوزير العذر هو أن يضع معلومة مضللة وغير صحيحة ويبني عليها مواقف واستنتاجات ليست موجودة على أرض الواقع.. والمفارقة أن الوزير يعلن مواقفه هذه بشأن منح الأم اللبنانية جنسيتها لأبناءها في محفل اغترابي جميع أعضاءه لا يحملون الجنسية اللبنانية ويحملون جنسية بلد آخر..

قد نعتبر مثل هذه التصريحات جزء من لعبة شد الحبال الداخلية التي تستوجب على الدوام تجميع كل الأوراق والانطلاق بها في عملية هجومية في وجه الخصوم والحلفاء، وأيضاً أمام القاعدة الشعبية التي تتنازعها العديد من التيارات السياسية، وكل منها يسعى إلى استحضار أوراق قوته. ودائماً ما يكون الفلسطينيون في لبنان هم أحد هذه الأوراق، خاصة وأنهم بنظر البعض حالة ضعيفة لا يترتب على العابث بها، كذباً وتحريضاً مسموماً، أية نتائج ومسؤوليات.. وهذه قضية يجب أن تكون برسم جميع القوى والتيارات الفلسطينية المطالبة بوضع حد لكل من يعتقد أن الفلسطيني أصبح مكسر عصاً أو خاصرة رخوة يمكن لهذا وذاك أن يعبث بها ساعة يشاء..  خاصة وأنها ليست المرة الأولى التي يكون فيها اللاجئون الفلسطينيون في لبنان هدفاً لرماح قادة التيار الوطني الحر وغيره، رغم أن هذا التيار لم يكن جزءاً من الحرب الأهلية اللبنانية ولا توجد عداوات سابقة مع الفلسطينيين، بل أن التيار الوطني الحر، وهنا الدهشة والغرابة، يعلن تحالفه مع المقاومة في لبنان وتعتبر مواقفه من القضية الفلسطينية بشكل عام متقدمة عن غيره لجهة دعم حقوق الشعب الفلسطيني الوطنية.. وهنا تصح مقولة المناضل الراحل شفيق الحوت "مع فلسطين وضد الفلسطينيين".

ورغم مرور أكثر من ربع قرن على انتهاء الحرب الأهلية ودخول لبنان مرحلة السلم الأهلي، أقله من الناحية النظرية، يبدو أن علاقة الفلسطينيين ببعض القوى والتيارات اللبنانية لا زالت تحتاج إلى الكثير من العمل والجهد، خاصة وأن بعض هذه القوى لا زالت تعيش وتتغذى على موروثات الحرب الأهلية وتاريخها الأسود لا لهدف سوى لإظهار وطنيتها وقوميتها انطلاقاً من إشهار عداءها ليس للفلسطيني فحسب، بل لكل ما هو عربي وعروبي، بغض النظر عن مواقفها الآنية التي قد تتبدل بين لحظة وأخرى وفقاً لمسار التطورات الإقليمية. خاصة وأن الإنطباع العام لدى الكثير من الفلسطينيين، هو أن صورتهم بنظر البعض أنهم أعداء للبنانيين، نتيجة خطابات التحريض اليومي التي لا وظيفة سياسية لها إلا الاستثمار الشعبي على مستوى الطائفة الواحدة، وإلا كيف نفسر أن رفض إقرار الحقوق الإنسانية جاء من قبل معظم القوى السياسية المسيحية، وهي المعنية بالدرجة الأولى في الانفتاح والتعاون بينهم وبين الفلسطينيين.

رغم أن موضوع الجنسية لأبناء المرأة اللبنانية، مطروحاً منذ فترة وعقدت لأجله العديد من الندوات والمؤتمرات ونظمت اعتصامات عدة بشأنه، وهو اليوم محمولاً على أكتاف قوى وهيئات وتيارات نسائية وحقوقية ومؤسسات مجتمع مدني ليس من بينها أية جهة رسمية فلسطينية، لكنه ليس موضوعاً على جدول أعمال القوى السياسية في لبنان راهناً، إلا إن إثارته اليوم من زاوية توطين الفلسطينيين في لبنان وبشكل مبالغ فيه إنما يهدف إلى تحقيق أمور قد لا يعرفها الكثيرون، خاصة وأن إثارة الموضوع يأتي بالتزامن مع ترشح العماد ميشال عون لانتخابات رئاسة الجمهورية..

فالمشروع الذي يتحدث عنه وزير الخارجية يتعلق بإعطاء الحق للمرأة اللبنانية كي تمنح الجنسية لأبنائها، وهذه مسألة وإن كانت بديهية في أي دولة تحترم العدالة والقانون والإنسان، إلا أنها في لبنان تزج في البازارات السياسية، كأي قضية مطلبية ومحقة في هذا البلد. وكان الأولى بالوزير أن يطلعنا على عدد النساء اللبنانيات المتزوجات من فلسطينيين، وهم على كل حال ليسوا بالعدد الذي يثير الذعر، كما يحاول الوزير أن يصور وكأن خطراً داهماً يهدد الكيان اللبناني، بل كان الأجدى به دعوة اللبنانيات لعدم الزواج من فلسطينيين نظرا للخسائر المترتبة على هذا الأمر لجهة إمكانية فقدان لبنان لهويته وتركيبته ..

من حقك يا معالي الوزير أن تقبل أو ترفض منح المرأة اللبنانية الجنسية لابنائها، خاصة المتزوجات من فلسطينيين، لكن تمهل قليلاً ولا تلعب بالارقام.. لأن هذه مسألة قد ترتد على صاحبها وهي سلاح ذو حدين. وعلى سبيل المثال: هل بإمكان لبنان أن يعتمد الرقم الذي أعلنته كرقم رسمي، خاصة وأن وكالة الغوث والجامعة الأمريكية أعلنا بشكل مشترك من خلال دراسة بحثية أن العدد لا يتجاوز 200 الف نسمة. وحتى لو سلمنا جدلاً بما قلت بأن العدد هو 400 ألف فلسطيني فهل هذا العدد كله مرشح للتوطين من خلال جنسية المرأة اللبنانية وكم من هذا العدد متزوج من لبنانيات، أم أن الأمر مجرد مواقف لا وظيفة سياسية لها إلا في إطار مسلسل التحريض المتواصل ضد الفلسطينيين والمخيمات لتحقيق مكاسب سياسية وطائفية واستخدام هذه المسألة كصندوقة انتخابية وصندوق بريد حتى لو كان هذا الأمر يشكل إساءة كبيرة وجارحة إلى الفلسطينيين.

أن مسلسل المواقف التحريضية من مسؤولي التيار الوطني الحر ضد المخيمات وضد الفلسطينيين، حتى على أتفه الأسباب، تؤكد أن هناك عقدة أسمها اللاجئون الفلسطينيون في لبنان. وبالتالي تصبح هذه القضية الشمّاعة التي يعلق عليها التيار الوطني الحر جميع مشاكله مع الأطراف السياسية في لبنان. وإلا كيف نفسر إصرارهم على قهر الفلسطينيين تحت اليافطة القاتلة والتي أصبحت كالماء والهواء بالنسبة لبعضهم واسمها "رفض التوطين"، وهذه العقدة أصبحت عنواناً لكل إجراء غير إنساني بحق الفلسطينيين في لبنان.. لدرجة أن البعض بات يشكك في الموقف الفعلي لهؤلاء من مسألة التوطين..

فالتيار الوطني كان ولا زال سبباً مباشراً في منع وزارة العمل من إصدار المراسيم التطبيقية للتعديلات القانونية التي أقرها البرلماني اللبناني عام 2010 على المادة (59) من قانون العمل والمادة التاسعة من قانون الضمان الاجتماعي، ما جعل هذه التعديلات حتى هذه اللحظة حبراً على ورق، وهو كان أعلن صراحة عام 2010 أنه ضد منح أية حقوق للفلسطينيين في لبنان.. والتيار أيضاً هو من وقف في وجه عملية إعمار مخيم نهر البارد والخلفية أيضاً مذهبية، حيث برر التيار رفضه إعمار المخيم وسعي الحكومة لعقد مؤتمر للمانحين بالتعاون مع الأونروا، بأن المهجرين المسيحيين من الجبل لا زالوا مهجرين وعلى الحكومة اللبنانية أن تسعى أولاً إلى إعادة أبنائها إلى قراهم قبل أن تفكر في إعادة الفلسطينيين. رغم أن لا مجال للمقارنة بين عودة مهجري الجبل الى قراهم وعودة نازحي البارد الى مخيمهم استناداً الى وعد قدمه الرئيس السنيورة باسم جميع اللبنانيين بأن العودة إلى المخيم مؤكدة وأن النزوح مؤقت والإعمار حتمي وعلى هذه القاعدة كان التعاون بين الفصائل والحكومة اللبنانية..

والتيار كذلك هو الذي ما زال يقف عائقاً أمام المحاولات الجادة لبعض التيارات السياسية بإيجاد مخارج تسمح للفلسطينيين بالتملك ولو منزل على خلفية هي في تفاصيلها مذهبية وطائفية، رغم أن تملك الفلسطينيين، سابقاً وراهناً لا يكاد يساوي شيئاً مقارنة مع تملك العرب والأجانب.. والسبب أيضاً هواجس توطينية لا نعلم نحن وغيرنا تفاصيلها..

لذلك بات ملحاً توحيد المفاهيم المتعلقة بمصطلح "التوطين" وتحديد مدلولاته ونفاهيمه، حتى لا يبقى هذا الأمر حجة وذريعة لدى البعض يستحضر على طاولة التجاذبات الداخلية. فلا يعقل أن تبقى الأمور على ما هو عليه الآن، بأن كل مطلب محق للفلسطينيين في لبنان يفسر من قبل البعض بأنه جزء من مشروع توطيني بما يقود عملياً إلى إبقاء أوضاع الفلسطينيين الإنسانية والاجتماعية السيئة على حالها. والأهم من ذلك أن القوى السياسية في لبنان خاصة تلك الممثلة في البرلمان، حلفاء الفلسطينيين وطنياً وسياسياً وطائفياً ومذهبياً، يؤكدون ليل نهار دعمهم لهذه الحقوق ورفضهم لحالة البؤس التي يعيشها الفلسطينيون في مخيماتهم.. لكن في واقع الحال جميعهم متفقون على أن العبث بالحالة الفلسطينية في لبنان هي لعبة رابحة..

ألا يحتاج هذا الواقع، لحظة تأمل من قبل جميع هؤلاء ؟

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/98222

اقرأ أيضا