قائمة الموقع

"إسرائيل" والغواصة السادسة

2016-09-20T06:26:04+03:00
إسرائيل تتسلم غواصة دولفين ألمانية

تحدّث رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو مؤخراً في مناسبات عدة عن نيته البقاء في منصبه لسنوات طويلة مقبلة. وهو لم يسبق له أن قيّد نيته هذه بقيود الزمان، لكن من قراره تزويد الجيش الإسرائيلي بغواصة أخرى ـ هي السادسة ـ يمكن التقدير أنه فكّر بمفاهيم عشر سنوات على الأقل. وكما علمت «معاريف»، ينوي نتنياهو التوجه للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ليطلب منها أن تمول، كما فعلت في الماضي، بناء الغواصة السادسة.

ويملك سلاح البحرية حالياً أسطولاً من ست غواصات. آخرها هي «راهف»، وصلت إلى ميناء حيفا في كانون الثاني 2016 بعد إبحار، مثل سابقاتها، مسافة 5 آلاف كيلومتر من ميناء كيل في ألمانيا حيث بُنيت. وقبل أربع سنوات اتّخذ الجيش الإسرائيلي، بمصادقة المجلس الوزاري المصغّر برئاسة نتنياهو ووزير الدفاع إيهود باراك، القرار بأن يتزوّد سلاح البحرية على الأقل بست غواصات. وكان هذا قرار استراتيجي على خلفية الخشية من أن إيران ستصل حتى العام 2016 أو 2017 إلى قدرة بناء سلاح نووي.

وأسطول الغواصات الإسرائيلي الجديد، المستند إلى طراز «دولفين» الألماني أقيم لأغراض استخبارية وللردع الاستراتيجي، والأساسي بينها، كما حددت في نشرات أجنبية، هي منح إسرائيل قدرة توجيه الضربة النووية الثانية. في العام 2015 توصّلت إسرائيل إلى اتفاق مع الحكومة الألمانية، بأن تمول أيضاً شراء الغواصة السادسة، المفترض أن تصل إلى إسرائيل والدخول إلى الخدمة الفعلية حتى العام 2019. ولكن قبل أكثر من عام وقعت القوى العظمى (أميركا، روسيا، الصين، بريطانيا، فرنسا وألمانيا) على اتفاق مع إيران، يقيد مشروعها النووي ويبعدها عن القدرة لتركيب سلاح نووي خلال شهور قليلة.

في أعقاب الاتفاق أجريت في المؤسسة الأمنية والجيش الإسرائيلي تقديرات وضع، قرّر رئيس الأركان غادي آيزنكوت في ختامها تعليق القرار بشراء الغواصة السادسة. وقد فعل ذلك، على الأقل برر ذلك، باعتبارات ميزانية. ولكن يمكن التقدير أنه في أساس الاعتبارات كان أيضاً تحليل الواقع الجديد في الشرق الأوسط، والتي في مركزها ابتعاد إيران بعقد من الزمان عن القدرة لتركيب سلاح نووي.

وأسطول الغواصات الإسرائيلي، الذي كان معروفاً باسم شييطت 7، رغم أنه كان مكوناً من قطعتين، أنشئ في العام 1959. والغواصات من طراز «إس»، من فترة الحرب العالمية الثانية، تم شراؤها من بريطانيا، فيما تدربت طواقم الغواصات في فرنسا وبريطانيا. وبعد ست سنوات اشترت إسرائيل من بريطانيا ثلاث غواصات أكبر، من طراز «تي»، لكنها هي الأخرى كانت قديمة، من فترة الحرب. ووصلت الغواصتان إلى ميناء حيفا (واحدة في آخر يوم في حرب 1967) ولكن الثالثة «داكار»، غرقت في العام 1968 في البحر المتوسط في طريقها إلى إسرائيل. وتمّ العثور على حطامها في العام 1999 على عمق ثلاثة كيلومترات بين كريت وقبرص.

وأنهت غواصات «تي» خدمتها في أواسط السبعينيات واشترى سلاح البحرية بدلاً منها غواصات من طراز «غال»، والتي استندت إلى نموذج ألماني. وكان هذا مشروعاً مشتركاً بين إسرائيل وألمانيا وبريطانيا، وقد بُنيت الغواصات في اسكوتلاند ودخلت الخدمة الفعلية في العام 1977. وأعدت ثلاث غواصات «غال» لتوفير رد لنظرية الأمن القومي الإسرائيلي قبل 40 عاماً، والتي رأت في سلاح البحرية عموماً وفي شييطت 7 خصوصاً ذراعاً عسكرياً هامشياً، مهمته تتعلق أساسا بأغراض استخبارية والأمن الجاري. ولذلك ليس صدفة أنه تمت تسميته «سلاح الحمام».

ولكن نقطة التحوّل حانت في نهاية الثمانينيات ومطلع التسعينيات، نتيجة بلورة استراتيجية لعقيدة أمنية جديدة، واستغلال فرص شعور الألمان بالذنب. في الثمانينيات، ورغم أن سلاح الجو دمّر في حزيران 1981 المفاعل النووي العراقي، تبين للاستخبارات أن عراق صدام حسين تواصل جهودها لتطوير سلاح نووي. وتبلور تقدير أيضاً بأنه آجلاً أم عاجلاً سوف تسير دول خرى في الشرق الأوسط نحو السلاح النووي، ويمكن لإسرائيل أن تفقد احتكارها النووي. وازداد على وجه الخصوص القلق في النصف الثاني من التسعينيات، حينما تبين لإسرائيل أن إيران شرعت بتطوير مشروع نووي وصواريخ قادرة على أن تشكل أدوات إطلاق لسلاح نووي.

وفي أعقاب حرب الخليج الأولى وإطلاق صواريخ سكاد من العراق، والتي كشفت أن شركات من ألمانيا باعت عتاداً لمشروع السلاح الكيماوي لصدام (وأيضاً لمشروعه النووي)، أقنعت إسرائيل ألمانيا بالموافقة على تمويل غواصتين جديدتين لها. ومن أرشيف وزارة الدفاع تم إظهار وثائق قديمة تظهر أنه منذ الخمسينيات (حينما لم تكن علاقات دبلوماسية) أجريت مداولات سرية مع الحكومة الألمانية لتمويل الغواصتين. وفي البداية درست إسرائيل أمر بناء الغواصتين في أحواض السفن الأميركية، ولكن تبين أن الغواصات الوحيدة التي بُنيت هناك تشغل بقوة نووية وأن التمويل الألماني غير كافٍ. واتخذ القرار ببناء الغواصات في أحواض السفن في ميناء كيل. وقد ساعد هذا التمويل أيضاً الاقتصاد الألماني والحفاظ على أحواض السفن في الميناء، لكن الحكومة الألمانية برهنت بذلك على التزامها ومساهمتها للمصالح الاستراتيجية لإسرائيل، رغم معارضتها لسياسة الاستيطان والاحتلال الإسرائيلية.

وأرسلت إسرائيل لكيل طواقم من سلاح البحرية من أجل العمل والشراكة مع الأحواض ومع سلاح البحرية الألماني على تصميم الغواصات والتدرب عليها. وترأس الطاقم العميد شاؤول حوريف من سلاح البحرية، والذي عيّن لاحقاً رئيساً لشعبة الوسائل الخاصة في وزارة الدفاع، وقبل عام خدم كمدير عام للجنة الطاقة النووية. وفي وقت لاحق وافقت ألمانيا على بناء ثلاث غواصات أخرى بتمويل جزئي.

ووفق نشرات في ألمانيا، فإن تكلفة مشروع الغواصات بلغت 2.5 مليار يورو موّلت ألمانيا منه حوالي 60 في المئة على الأقل، فيما جاء الباقي من ميزانية الدفاع الإسرائيلية. وتزيد تكلفة كل غواصة عن ملياري شيكل إسرائيلي، ما يجعل منها السلاح الأغلى ثمناً في الجيش الإسرائيلي. ولغرض المقارنة، فإن تكلفة طائرة 35 F التي سيتلقاها سلاح الجو في نهاية هذا العام تبلغ نصف مليار شيكل.

ووفق منشورات أجنبية، فإن إسرائيل كيّفت الغواصات لأغراضها، ونصبت فيها عتاداً خاصاً، وهي مؤهلة لأن تطلق من فتحات الطوربيد فيها صواريخ تحمل رؤوساً حربية نووية. وعندما وصلت في كانون الثاني 2015 الغواصة «راهف» إلى ميناء حيفا تم استقبالها باحتفالات شارك فيها رئيس الحكومة، في مرسى يحمل اسم المقدم يوسكا درور، من مؤسسي الكوماندو البحري ومؤسس شييطت الغواصات.

لكن أكثر مَن حث على تطوير أسطول الغواصات الإسرائيلي، من أجل أن يشكل ذراعاً استراتيجياً وموازياً لسلاح الجو، كان قائد سلاح البحرية أبراهام بوتسار. وفي رأيه، فإن اسطولاً ناجعاً لأداء مهماته يحتاج إلى تسع غواصات. ثلاث منها لأغراض الأمن الجاري، وثلاث للصيانة في الميناء، وثلاث لمهام الذراع الطويلة. وشرع سلاح البحرية في التزوّد بالغواصات. والواقع أنه وفق نظرية بوتسار، لا تكفي الغواصات الخمس، ولكن حالياً، بعد أن جدّد رئيس الحكومة الطلب من ألمانيا تمويل ولو بشكل جزئي الغواصة السادسة، فإن رؤيته تتجه نحو التجسيد.

ويقلل نتنياهو ووزراؤه في العام الأخير من الحديث عن الخطر الإيراني، وبحق، لأن الاتفاق النووي يبعده. ولكن إذا كان أحد قد ظن للحظة أن إيران أزيحت من أولويات قلق نتنياهو، فإنه مخطئ. ويبدو أنه يفكر بمفاهيم بعيدة المدى ويواصل إبداء الخشية من لحظة انتهاء سريان الاتفاق، بعد أقل من تسع سنوات، وحينها يمكن لإيران أن تبني قنبلة خلال مهلة عام واحد. وبالوسع التقدير أن نتنياهو سيشير إلى ذلك أيضاً في خطابه المتوقع في الجمعية العمومية للأمم المتحدة في نيويورك الأسبوع المقبل.

وعندما تبني إيران السلاح النووي، فإن الاحتكار النووي الإقليمي المنسوب لإسرائيل سوف يُكسر. ووفق منشورات أجنبية، فإن إسرائيل هي الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تملك سلاحاً نووياً. وفي نظريات الاستراتيجيا النووية، المأخوذة من نظرية الحرب الباردة بين أميركا والاتحاد السوفياتي، في وضع تمتلك فيه دولتان سلاحاً نووياً ينشأ بينهما «توازن رعب». ولكن رغم توازن الرعب، ثمة خشية من أن إحدى الدولتين قد تلجأ رغم ذلك إلى استخدام السلاح النووي، لذلك فإن الدولة التي تشعر أنها مهددة تسعى لتطوير قدرة توجيه «الضربة الثانية». وهذا يعني أنه حتى إذا تم تدمير أغلب جيشها وشعبها وسلاحها النووي في الضربة النووية الأولى، يمكنها أن تطلق سلاحاً نووي من غواصات تحت سطح البحر يصعب اكتشافها وتدميرها.

وبعد سنوات كثيرة من الأزمات، وتسريح العمال، والعجز الكبير والخصخصة، تنهض الصناعات العسكرية (تاعس) جيداً. وتاعس التي ستنقل خلال ست سنوات معظم وحدات الإنتاج فيها من رمات هشارون إلى رمات بيكع في النقب، تتحوّل من منتجة أسلحة وذخائر بسيطة إلى شركة هايتيك رفيعة المستوى. وأساس منتجاتها حالياً قذائف هاون ودبابات موجهة وقذائف متطورة للطائرات، ومصابيح تضليل، وصواريخ مدفعية (لمدى 150 كيلومتراً)، وغرف حماية وما شابه.

وقد ازدادت دورة المبيعات للصناعات العسكرية، وأيضاً الطلبيات، وهي تسجل أرباحاً متواضعة. في العام 2016 جمعت طلبيات بقيمة 8.6 مليار شيكل، حوالي 60 في المئة منها للجيش الإسرائيلي، الذي يواصل كونه الزبون الأهم والأكبر لها. وباقي الإنتاج معد للتصدير إلى ثلاث قارات. وتاعس لا تزال مدرجة في القائمة السوداء للهند ولا يمكنها أن تبيع هناك منتجاتها بسبب التحقيقات منذ العام 2009 بتقديمها رشاوى. ولن تزال العقوبات عنها قبل مرور ثلاث سنوات أخرى. كم أن تاعس لا يمكنها تصدير منتجاتها لروسيا بسبب معارضة شعبة المراقبة في وزارة الدفاع.

والسوق الأكبر لتاعس هي الولايات المتحدة، حيث أقامت هناك شركة فرعية لها. وأحد منتجاتها الأكثر مبيعاً في السوق الأميركي هي الذخائر للسوق المدني. في الأعوام الأخيرة وعلى خلفية العمليات الإرهابية والعمليات الكبيرة التي نفذها أفراد مخبولون، تحاول إدارة أوباما تقييد السهولة غير المحتملة التي يمكن فيها شراء أسلحة في أميركا.

ويبدو أن مساعي الإدارة الأميركية تفشل. فالتعديل الثاني للدستور، تحبطه أغلبية الحزب الجمهوري واللوبي شديد القوة لـ «رابطة حملة البنادق القومية». ويتبين أنه كلما ازدادت محاولات الإدارة تزداد المعارضة لها، وبالتالي تزداد مبيعات السلاح والذخائر. والمستفيد الأكبر من ذلك هي الصناعات العسكرية الإسرائيلية تاعس. في العام 2014 باعت تاعس للسوق الأميركي ذخائر بقيمة 25 مليون شيكل، مقابل طلبيات بقيمة ربع مليار شيكل حتى العام 2017. ويتبين أن العمليات الإرهابية أو مجرد قتل عديم التمييز من مجانين، يمكن أن يكون جيداً للتجارة.

 

المصدر: «معاريف» 16-9-2016

نقلاً عن "السفير"

اخبار ذات صلة