زهير أندراوس
يُعتبر دافيد بن غوريون، بنظر الصهاينة، الرجل الذي أقام إسرائيل. كان شخصيّةً حاقدةً على كلّ ناطق/ة بالضّاد، حتى أنّه رفض حمل الهويّة الإسرائيليّة لأنّها تشمل اللغة العربيّة. بن غوريون، خطط قبل الإعلان عن دولة اليهود، على أنقاض الشعب العربيّ الفلسطينيّ، الذي هُجّر من وطنه في أبشع جريمة بالتاريخ الحديث، خطط لإقامة الأمّة الإسرائيليّة، بحيث ينصهر اليهود الذي استُجلبوا من جميع أصقاع العالم في بوتقةٍ واحدةٍ، يهود من أصول أوروبيّة وأمريكيّة، مع اليهود من أصول عربيّة-شرقيّة.
المتدّينون مع العلمانيين، والعرب، بطبيعة الحال، على الرّف، بصفتهم لاجئين مع وقف التنفيذ، تتحيّن الدولة اليهوديّة الفرصة لطردهم من أرضهم، كما فعلت في نكبة العام 1948. اليوم، بعد مرور 68 عامًا على اغتصاب فلسطين، فرادي وجماعات، يُمكن القول والفصل، دون مُجافاة الحقيقة، إنّ حلم بن غوريون انتقل إلى رحمته تعالى، لم تظهر الأمّة الإسرائيليّة بتاتًا، بل ازدادت الخلافات بين مُركّبات المجتمع اليهوديّ، وها هي إسرائيل، التي تزعم زورًا وبُهتانًا، أنّها الدولة الديمقراطيّة الوحيدة في صحراء الديكتاتوريات العربيّة، تتعرّض للإكراه الدينيّ من قبل اليهود المُتزمتين، الذين يمنعون الحكومة من القيام بأعمالٍ ضروريّةٍ خلال يوم السبت.
رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، أذعن لإملاءات الشركاء في الائتلاف من اليهود المتزّمتين، وأمر بوقف الأعمال في تل أبيب أيّام السبت، الأمر الذي أثار عاصفةً سياسيّةً واجتماعيّةً كبيرةً في إسرائيل، وخصوصًا لأنّ رئيس الوزراء تنازل عن الجنود، الذين يُدافعون عن أمن الدولة العبريّة لصالح اليهود المُتزمتين، الذين لا يخدمون بالجيش، عندما منعهم من السفر إلى قواعدهم يوم الأحد، بسبب أعمال الحفريات التي جرت الأحد الماضي، وأدّت إلى تعطيل حركة القطارات، وشلّ حركة السير.
وبما أنّ الجيش بقرةً مُقدّسّةً في إسرائيل، فإنّ شعبية نتنياهو انخفضت كثيرًا، وللمرّة الأولى، في استطلاعٍ للرأي العام نشرته القناة الثانيّة في التلفزيون العبريّ، تبينّ أنّ زعيم حزب (يش عتيد)، وزير المالية السابق، يائير لبيد، حصل على 24 مقعدًا، فيما حصل حزب نتنياهو على 22 مقعدًا فقط. ولم تنتهِ مشاكل نتنياهو هنا، فقد أعلنت الشرطة الإسرائيليّة رسميًا، كما أفادت صحيفة (هآرتس) الإسرائيليّة، في عددها الصادر اليوم الجمعة، أنّ مواد التحقيق التي تمّ جمعها حتى الآن ضدّ نتنياهو وزوجته تشمل أدلّة وبيّنات تقود إلى لائحة اتهام جنائيّة، وللتنويه فقط، فإنّ الحديث يدور عن فضيحةٍ جديدةٍ لم يسبق أنْ تمّ النشر عنها. بناءً على ما تقدّم، لم يكن تحذير رئيس “الموساد” الإسرائيليّ السابق تامير باردو، قبل أيام، من تنامي الخطر الداخليّ الإسرائيليّ وإمكاناته الكامنة في الدفع، كما قال، نحو حرب أهلية داخلية، أول تحذير يصدر من تل أبيب.
ذلك أنّ مسار الانقسامات داخل المجتمع الإسرائيليّ، بما يشمل القيم والتطلعات والأهداف والنظرة إلى الآخر والدولة ومؤسساتها، بات يتوجه نحو بلورة مسار متطرف، وهو انقسام على مستوى القواعد ورأس الهرم، لكنه وصل أخيرًا إلى المؤسسة العسكرية وبدأ ينخر فيها، ما من شأنه أن يقود إلى الأخطر.
موقف باردو التحذيريّ، إلى جانب مواقف إسرائيلية مشابهة في المرحلة الأخيرة، تؤشر إلى واقع تفاقم فيه الغليان الداخلي والتناقضات إلى الحد الذي تجد فيه الصيغة الإسرائيليّة صعوبة في التعامل معه ولجم سيناريوهاته المتطرفة. لقد كان باردو واضحًا جدا في تحذيره: اجتاز المجتمع الإسرائيليّ حافة انقسام معينة، والمسافة تتقلص للوصول إلى حرب أهلية، ونحن نسير في هذا الاتجاه.
ومن الأهميّة بمكانٍ الإشارة إلى أنّ سبق باردو في التحذير، الرئيس الإسرائيليّ، رؤوفين ريفلين، وأيضًا وزير الأمن السابق ايهود باراك، وكذلك رئيس أركان الجيش، غادي ايزنكوط، وعدد كبير من الخبراء والباحثين، كما أفردت مراكز البحث مؤتمرات خاصة لمعالجة هذا التحدي. ريفلين، استخدم مصطلحًا ملطفا في وصفه الواقع المأزوم: إسرائيل أمام مفترق طرق.
وضع ريفلين الإصبع على مكمن العلة والأسباب بقوله إنّ الانقسام في المجتمع الإسرائيليّ قائم على مستوى الخيار والهوية والتطلعات، وأيضًا الكيفية التي تسعى إليها فئاته في تحقيق خياراتها وتطلعاتها، مؤكّدًا على أنّ الانقسام بات يتحرك ضمن قبائل أربع يتألف منها المجتمع الإسرائيلي: الشريحة العلمانية، والدينية الصهيونية، وتلك الدينية الحريدية، إضافة إلى عرب إسرائيل (فلسطينيو الداخل).
السؤال الذي يبقى مطروحًا على الطاولة يتألّف من قسمين: ما الذي أتاح للمشروع الصهيونيّ، والدولة الوليدة عنه، أنْ يستمرا بلا تهديدات حقيقية داخلية حتى الآن، برغم التسليم بوجود انقسامات حادة داخله؟ وما الذي يدفع الآن، للتحذير من خطر الانقسامات؟، أمّا الشّق الثاني من السؤال: لماذا لم تستغّل الأمّة العربيّة بشكلٍ عامٍ، والشعب الفلسطينيّ، بشكلٍ خاصٍ، هذه الانقسامات الحادّة في المجتمع الإسرائيليّ لتقديم أجندة تحرير فلسطين وعودة اللاجئين؟
المصدر: رأي اليوم
