محمود عمر
بعد سنوات من الخصام والمناكفات المتبادلة والقطيعة العاصفة وتبادل الاتهامات بين الرئيس محمود عباس، والقيادي المفصول من حركة فتح محمد دحلان، يبدو أن المياه بدأت تعود إلى مجاريها بفعل جهود عربية تبذل في سياق المصالحة بين الطرفين، من أجل مواجهة التيار الإسلامي في المنطقة من جهة، وللمضي قدماً في بعض القضايا المعقدة مثل مفاوضات التسوية مع الاحتلال الصهيوني، من جهة اخرى.
وكان الصراع قد تصاعد بين عباس ودحلان، الذي قررت اللجنة المركزية لـ"فتح" فصله من الحركة وإنهاء أي علاقة رسمية له بها في يونيو/ حزيران 2011، قبل أن تحيله إلى القضاء، في قضايا وصفتها آنذاك بأنها جنائية ومالية وأية قضايا أخرى حسب ما ورد في تقرير لجنة التحقيق.
وكانت مصادر فلسطينية أكدت مؤخراً أن بعض الجهات العربية جددت اتصالاتها مع كل من دحلان وعباس، وذلك بهدف حث الرجلين على إتمام المصالحة بينهما وذلك في محاولة لـلملمة، البيت الفتحاوي، عِشيّة الانتخابات البلدية المزمع عقدها في الثامن من تشرين أول / أكتوبر القادم.
وأكدت المصادر الفلسطينية أن هذه المساعي تتم بين الطرفين بوساطة مصرية في هذه الأيام في محاولة لتحديد الفجوات بين الرجلين والسعي الى جسر الهوة بينهما.
وتفيد المصادر أن الوساطة المصرية تتم بطلب ومتابعة من الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، مُشِيرة إلى أن السيسي كان قد أشار خلال الفترة الماضية إلى أنه ﻻ يمكن ان يتم البدء بعملية مفاوضات فلسطينية "إسرائيلية" قبل البدء بعملية مصالحة فلسطينية داخلية ومصالحة فتحاوية داخلية.
كما قالت مصادر مقربة من رئيس السلطة عباس، إن الأخير وافق على إعادة 13 قياديا مفصولا من حركة "فتح". ووفق ما ذكرت الإذاعة العبرية، فإن المصادر أكدت أن المفصولين هم من المقربين من محمد دحلان.
مساعٍ حقيقية
وأكد القيادي المفصول من حركة فتح ناصر جمعة، ما تداولته وسائل الإعلام حول المصالحة بين دحلان وعباس، وقال لـ"الاستقلال": "هناك مساعٍ وجهود عربية حقيقية تبذل في هذا الإطار، هي جهود مصرية وأردنية بدرجة أولى، والهدف منها إعادة توحيد حركة فتح من أجل مواجهة التحديات المقبلة".
وأضاف: "هناك قرار بإعادة جميع قيادات حركة فتح التي فصلت وعددهم 13 قيادياً من بينهم سفيان أبو زايدة وماجد أبو شمالة وسمير المشهراوي، وهناك جهود كبيرة تبذل في هذا السياق ومن المتوقع عودة هذه القيادات قبيل عيد الأضحى، وبحسب معلوماتي فإن الاتفاق قد تم، وتبقى فقط التنفيذ".
وشدد جمعة على أن كافة قرارات الفصل التي صدرت بحق كوادر وقيادات حركة فتح تحت مسمى "التجنح" تعد قرارات غير قانونية، مضيفاً: "اعتقد أن هذه القرارات أقرب للمناكفات من البعد القانوني، لذا فإن عودة المياه إلى مجاريها وفتح صفحة جديدة هو أمر طبيعي في النهاية".
كما أكد جمعة على أن المصالحة لن تتم دون أن يكون محمد دحلان جزءً أصيلاً منها، مشيراً إلى أنه من المتوقع عودة دحلان نفسه إلى الضفة الغربية أيضاً.
عن أسباب ودوافع هذه الجهود العربية، قال القيادي المفصول من حركة فتح: "الدول العربية تدرك أنه بدون هذه المصالحة الفتحاوية الداخلية فإن الوضع الفلسطيني سيبقى متأزماً، فهناك الكثير من القضايا عالقة بسبب الخلافات الفتحاوية الداخلية أهمها المفاوضات مع الاحتلال والمصالحة الفلسطينية بين حماس وفتح".
وبيّن أن هناك أقطاباً داخل تيار الرئيس عباس لا ترغب في هذه المصالحة الفتحاوية الداخلية، "إلا أن الضغوط العربية أكبر من هذه التطلعات والمعيقات".
وبخصوص ما يتم تداوله أن هذه المصالحة تهدف لتهيئة محمد دحلان ليكون خليفة عباس في منصب الرئاسة، قال جمعة: "أعتقد أن هذا الحديث غير مناسب طرحه بهذا الشكل، فالموضوع هو أقرب للمصالحة الفتحاوية الداخلية وليس لتهيئة أوضاع مرحلة ما بعد عباس".
عوامل ومتغيرات دافعة
من ناحيته، يرى المحلل السياسي نشأت الأقطش، أن توقيت هذه المصالحة يأتي في ظل عوامل ومتغيرات وتحركات دولية في سياق القضية الفلسطينية، من بين هذه العوامل والمتغيرات، ازدياد الجهود والمبادرات الدولية لاستئناف مفاوضات التسوية مع الاحتلال.
وقال الأقطش لـ"الاستقلال": "فرنسا طرحت مبادرة من أجل حل الصراع، وهناك دور روسي يخيم في المنطقة من أجل إجلاس رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو وعباس على طاولة المفاوضات، لذا فإن الدول العربية تعتقد أنه لا يمكن أن يحصل هذا الأمر دون عودة تيار محمد دحلان إلى حركة فتح".
وبيّن أن مصر والأردن تعتبران أن محمد دحلان جزءً أساسيا من أي حل سياسي بين "إسرائيل" والسلطة الفلسطينية، وأن إعادة سيطرة السلطة الفلسطينية على قطاع غزة يتطلب عودة دحلان باعتباره أكثر من يجيد التعامل مع غزة حيث كان مسؤول الأمن فيها سابقاً.
ولفت الأقطش النظر إلى أن قضية المصالحة بين الرجلين تبدو أكثر جدية من أي وقت مضى، رغم عدم وجود ضمانات حقيقية لنجاحها، بسبب وجود عقبة أساسية أمام هذه المصالحة والتي تكمن في الدائرة المحيطة بالرئيس عباس التي ترفض هذه المصالحة الفتحاوية الداخلية.
وعن فرص نجاح مساعي المصالحة بين عباس ودحلان، قال المحلل السياسي: "لا استطيع الجزم بالنجاح أو بالفشل، ربما الأيام القادمة ستحمل المزيد من التفاصيل التي تسهل علينا توقع النتيجة، ولكن بناء على الرغبات والضغوط العربية فإن الوضع أكثر جديةً من أي وقت مضى".
المصدر: الاستقلال
