حلمي موسي
وفرت ذكرى «خراب الهيكل»، التي تقام في كل عام في التاسع من أغسطس/آب وفق التقويم العبري، فرصة كبيرة لإظهار مدى سعي الصهاينة لإعادة بناء الهيكل، بما يعنيه ذلك من تدمير للمسجد الأقصى. وقد نشرت وسائل الإعلام «الإسرائيلية» الكثير من التقارير حول الجماعات والمنظمات التي تعمل لتحقيق هذا الهدف، والتي يظهر منها أنها لم تعد منظمات هامشية، بل باتت تتغلغل في عمق التيار المركزي للدولة العبرية، ولا ريب أن تنامي هذا التيار يستند، بشكل أساسي، إلى إحساس بضعف العرب والمسلمين جراء انشغالهم في اقتتالهم الداخلي أو في تخبطهم في معالجة مشاكلهم الأخرى.
أوضحت التقارير الإعلامية، أن تنامي حركة الداعين إلى إعادة بناء الهيكل قادت إلى تشكيل المزيد من الجمعيات والحركات الساعية لتحقيق ذلك. ولم يعد الأمر مقتصراً على الصلوات والدعاء كما كان في الماضي، بل صارت الأمور تتخذ طابعاً عملياً لا يقتصر على التثقيف من أجل ذلك، وإنما على وضع المخططات والاقتراب من مركز القرار السياسي، ولا أدل على ذلك من مشاركة وزراء في حكومة نتنياهو في مسيرات ونشاطات مثل هذه الحركات، وفي مقدمة هؤلاء وزير الإسكان من «البيت اليهودي»، أوري أرييل ووزيرة التعليم من «الليكود»، ميري ريغف، بل إن هذا الهدف يجري تسهيل تحقيقه من خلال حمى محاولات «فرض السيادة «الإسرائيلية»» في القدس عموماً والحرم القدسي خصوصاً، التي يقودها وزير الداخلية جلعاد أردان من "الليكود".
وفي إطار الاحتفالات بذكرى خراب الهيكل نشرت القناة الثانية في التلفزيون «الإسرائيلي» تقريراً موسعاً عن حركة «نساء من أجل الهيكل» وهي حركة تستقطب بشكل واسع نساء جدداً. وركز التقرير على أن نشاط هذه المنظمة يشمل تجهيز معدات نسائية لبناء «الهيكل»، مثل السجاد الكهنوتي الذي سيوضع في «قدس الأقداس»، والذي سيبنى على أنقاض قبة الصخرة.
وتضاف هذه الحركة إلى حركات قديمة من نمط «أمناء جبل الهيكل» لكن ما يميز الحركات الجديدة هو جمعها الواضح بين البعدين القومي والديني. وحسب ما نشر فإن جمعيات جديدة، علمانية الطابع، أنشئت حديثاً لحث اليهود في الغرب على دعم فكرة إعادة بناء الهيكل لترسيخ ما يعتبرونه «حقاً أبدياً» لليهود في فلسطين.
وعرضت صحيفة «معاريف» لحركة علمانية جديدة تسعى ليس فقط للسماح لليهود بالصلاة في الحرم، وإنما إلى هدم المسجد الأقصى وإعادة بناء الهيكل مكانه، وأشارت الصحيفة إلى أن شباناً هم في الواقع طلاب جامعات أنشأوا جماعة تعرف بـ"طلاب من أجل الهيكل" لا يختلفون بشيء في دعواهم عن نشطاء يهود متطرفين أمثال يهودا غليك وأرنون سيغال، الداعين لصلاة اليهود في الحرم، وقد نشأت هذه الجماعة العلمانية كهيئة هامشية لكنها سرعان ما استقطبت المئات. ويقول بعض هؤلاء، إن المشكلة عندهم ليست في صلاة اليهود، وإنما في تأكيد أن القدس هي عاصمة دولتهم، وأن ذكرى "خراب الهيكل" ليست موعداً للبكاء على الأطلال، وإنما دافع لإعادة البناء.
ويؤمن كثيرون في «إسرائيل» أنه لا معنى لوجود هذه الدولة من دون إعادة مجد الهيكل عبر إعادة بنائه، ويرفض هؤلاء بشكل تام استمرار سيطرة الأوقاف الإسلامية على الحرم، ومنع اليهود من الصلاة فيه، ويعتقدون أن المرحلة الراهنة زمن اتخاذ القرار الحاسم: "هل الحرم لليهود أم للعرب؟"
وكتب كلمان ليبسكند في «معاريف» مؤخراً يطالب بمنع تقييد حركة اليهود في الحرم القدسي، وأشار إلى أنه «لن تجدي نفعاً آلاف الخطابات عن القدس عاصمتنا الأبدية، وألف تصريح عن «إلى أبد الآبدين» وعن الملك داود وعن 3 آلاف سنة، إذا كانت حكومات «إسرائيل» المتعاقبة ترفع أيديها وتتنازل عن جبل الهيكل (الحرم القدسي)، عن مركز القدس، عن لباب المدينة المقدسة»، وأشاد بمساعي وزير الداخلية جلعاد أردان لنشر نقاط الشرطة «الإسرائيلية» في الأحياء العربية وقرب الحرم، وأضاف أن "المرحلة التالية يجب أن تكون في التعليمات الجديدة والواضحة في كل ما يتعلق بالحرم، فإما أن هذا لنا، وإما لا، حان الوقت للقرار".
في كل حال فإن حملة إعادة بناء الهيكل باتت تدخل مراحل عملية، ولم يعد الهيكل مجرد تصور عام لبناء يقام مكان المسجد الأقصى، وإنما صار مخططاً تفصيلياً ينتظر التنفيذ، وهكذا بثت القناة الأولى في التلفزيون «الإسرائيلي» تقريراً تحدث فيه مخطط المدن يورام جينزبور عن قيامه بإعداد خرائط تفصيلية لإعادة بناء الهيكل على كل مساحة الحرم البالغة 144 دونماً، وفي نظره إذا تمت المصادقة على ذلك من جانب الدوائر الحكومية، فإن بالوسع الانتهاء من بناء الهيكل خلال ثلاث سنوات.
وأياً كان الأمر، فمن المهم التوضيح أن إعادة بناء الهيكل كانت على الدوام توقاً إيمانياً يهودياً يشبه توق «العودة للقدس»، ولم يكن هذا التوق يعني العودة وبناء الهيكل، حيث اختلفت الآراء الدينية اليهودية بشأنه، وفي نظر قسم كبير من اليهود كانت الدولة اليهودية حكماً إلهياً سوف يحدث بعد وقوع ظواهر محددة تنبئ بقرب انتهاء الحياة على الأرض، وهذا لا يحتاج إلى فعل من بني البشر؛ لأن الأمر سيحدث كنوع من معجزة، أما الهيكل في نظر هؤلاء فإنه موجود في السماء، وأن الله سيعيد إنزاله إلى الأرض حين يشاء، وبعد أن يمهد لذلك بظواهر أخرى.
غير أن الحركة الصهيونية، على الأقل في بداياتها، رفضت هذا الطرح الديني ما اضطرها إلى الصدام مع الحركات الدينية اليهودية، وفقط بعد نجاح الصهيونية في إنشاء واقع استيطاني تراجع الرفض الديني وازدهرت ما باتت تعرف ب «الصهيونية الدينية» التي انتقلت بعد قيام «إسرائيل» من حالتها الهامشية إلى أن تصير تياراً مركزياً.
عموماً وحسب المعتقدات اليهودية، فإن "خراب الهيكل الثاني" وقع قبل نحو ألفي عام، ما قاد إلى تشتيت اليهود، وهي أسطورة لا يوجد حتى الآن ما يسندها في الواقع، وقد حققت الصهيونية إنجازاً بأن أفلحت في استغلال الظروف الإقليمية والدولية، وأعادت إنشاء الدولة العبرية التي اعتبرت توراتياً «بداية النجاة»، غير أن هذه النجاة لا تحدث في نظرهم من دون إعادة بناء الهيكل وعودة المسيح، وهكذا فإن إعادة بناء الهيكل في نظر القوميين عنوان لسيطرتهم وفي نظر المتدينين عنوان للتقرب إلى الله.
وفي الحالين حُمَّى إعادة بناء الهيكل تنادي بعدم البكاء على الأطلال والسعي لإعادة بنائها، لكن ذلك يعني في الواقع تحويل الحرم القدسي إلى أطلال، وهذا ما ينبغي أن يقض مضاجع العرب والمسلمين، ويدفعهم إلى فعل ما ينبغي فعله.
الخليج الإماراتية
