قائمة الموقع

في مملكة النحل.. نساءٌ لم يستسلمن لِلّسعات الغادِرة!

2016-08-25T10:19:43+03:00
نحالات فلسطينيات
خاص - وكالة القدس للأنباء

أدرنَ ظهورهن للمخاوف التي حذر منها البعض، وصممن على أن يثبتن أن المرأة الفلسطينية قادرة على إدارة أي مشروع كما الرجل، حينما قررن خوض تجربة جديدة لم تدخلها امرأة قط في بلداتهن الزراعية.

النساء الخمس، وهن من مناطق مختلفة في الضفة الغربية، اقتحمن عالم تربية النحل، ليصبحن النحّالات الأشهر في الضفة.

الفكرة دخلت حيّز التنفيذ قبل سنوات، ولكنها لاقت قبولاً ورواجاً مؤخراً، فالزميلات الخمس وهنّ

فاتن محمد، صفاء حمدان، رابعة الشيخ إبراهيم، إيمان فتحي، وفاتن سالم، على اختلاف أعمارهن، بذلنَ جهوداً كبيرة لذلك.

لسعات غادرة زادتتهن تصميماً

ولا تجد هذه المهمة المؤلِمة ضجراً من هؤلاء النساء، رغم لسعات النحل الغادرة التي تتسرب من تحت ملابسهن أو من فوقها، فهي زادت النحالات الخمسة إصرارًا على الاستمرار والنجاح.، وعدم الاستسلام لصعوبة العمل بها.

في المَنحَل الذي وًضع على أطراف بلدة كفر راعي في مدينة ترتسم ابتساماتهن ويتبادلن النكات مع بعضهن، بينما يتنقلن بين خلايا النحل، لوضع المضاد الحيوي الذي خلط بالسكر الناعم، لوقاية النحل من الأمراض.

ولكي يتقن التعامل مع النحل تلقت النحالات الخمس تدريبات لمدة خمسة شهور، بعدما وقع عليهن الاختيار من إحدى الجمعيات الزراعية في البلدة، حيث بدأن المشروع ب 146 خلية نحل، وبفضل اجتهادهن وحبهن للمشروع استطعن أن يزدن العدد ليصل لـ 660 خلية، قمن ببيع عدد كبير منهن ليتبقى لهن 166 خلية.

وفي بداية الأمر كان العمل تطوعي حتى أصبح لهن نسبة من المبيعات، ، ليضحى النحل جزءاً من حياتهن، وربطتهن به محبة وألفة.

في أول المشوار اعتمدت النسوة على إنتاج العسل، وبيع الخلايا، ليتطور عملهن ويصبحن قادرات على زراعة الملكات واليرقات، وتوفيرها لخلاياهن ولغيرهن، بدلاً من شراء الملكات بأسعار مرتفعة من خارج مشروعهن، كما يوفرنها بناءً على الطلب.

دخلٌ مادي وخبرة مميزة..

وبذلك حسّن هذا المشروع من دخل النسوة الاقتصادي، كما أعطاهن خبرة جديدة في تربية النحل، وزاد من ثقتهن بأنفسهن وقدراتهن على التحدي والنجاح.

أما بقية نساء البلدة، فأبدينَ إعجابهن بالنحّالات، وجعلن من هؤلاء النسوة قدوة لهن، وتلقينَ تدريبات على أيديهن للعمل بمشاريع منزلية مماثلة، وبذلك تغلبت النسوة على عدم الخبرة، ليصبحن مربيات ومدربات في تربية النحل.

مشروع النساء الخمسة يعد الأول في البلدة، ويعتمد إنتاج النحل حسبهن، على تقلّبات الطقس، فهو يحتاج إلى طقس معتدل، وكمية كبيرة من الزهور، كما يحتاج النحل لإدارة سليمة، ومتابعة دائمة خاصة في وقت إنتاج اليرقات للحفاظ على بقاء النحل.

ترتسم ابتسامة واسعة على وجوه النحالات كلما سألهن أحد عن التحديات التي واجهنها في العمل، فكلما كنّ يتعرضن للسع من النحل، يدب الخوف في قلوبهن ويتراجعن، حتى اشتد عودهن وأصبحن  أقوى، كل منهن تشجع الأخرى وقت ضعفها.

كسبنَ الرِهان

ولم يخلُ الأمر من نظرات الاستهزاء بالعمل، حيث كانت هناك مراهنة على نجاحهن من قبل الرجال خاصة، الذين زعموا أنهن لن ينجحن في إدارة هكذا مشروع، حتى أصبحوا يتساءلون: كيف نجحن، مما زاد من إصرارهن على كسب الرِهان.

ترتدي النّحالات أفرهولات واسعة بيضاء اللون –ثوبٌ موصول من الأكتاف إلى الأقدام- داخل غرفة وضعت في المنحل ليقيهن من لسعات النحل إضافة إلى قفازات في أيديهن، وبواسطة قطعة من المعدن يعملن على إزاحة إطارات الخلية بعد فتحها، وكشط الشمع الزائد وتنظيف الخلايا من أي زوائد.

تتنقل النحالات بين الخلايا الخشبية المنتشرة في المنحل والتي تتسع الواحدة منها إلى عشرة إطارات "براويز"،  لوضع الغذاء للنحل وتفقد الخلايا من وجود الملكة، والبيض والغذاء، وتضع له المضاد الحيوي المخلوط بالسكر الناعم لوقايته من الأمراض.

وفي موسم إنتاج العسل، يضفن صناديق أخرى فوق هذه الخلايا لكل خلية موجودة حاليا لتتسع العسل المنتج.

انسجام وأُلفة

وبالنسبة لهنّ فإن أهم ما يلفت الانتباه النظام، والترتيب السائد بين النحل، ما جعلهن ينسجمن في التعامل مع النحل.

أما سر نجاح المشروع فهو تعاون النحّالات وانسجامهن في العمل، ليشار إليهنّ بالبنان من أهالي جنين.

وشجعت تجربة النحّالات الخمس بعض النساء على العمل في المناحل، ومنهن السيدة، سائدة إبراهيم (أم فايز) من بلدة عقابا شمال مدينة طوباس، ولكنها خاضت العمل لسبب آخر وهو تأمين مصدر رزق لأبنائها الستة، بعدما انقطعت عنه قبل أعوام طويلة.

أم فايز تمارس نجاحاً مماثلاً

الأربعينية أم فايز، اقتحمت هذا المجال قبل أكثر من عشر أعوام، على فترات متفاوتة كان آخرها قبل عامين، ضمن منحة، لتربية النحل في محافظة طوباس.

وتعتبر عقابا واحدة من البلدات الزراعية في المحافظة، وتنتشر فيها حقول مزروعة بأصناف مختلفة من الأشجار، تعتبر غذاء رئيسيا النحل.

أم فايز توفي زوجها قبل ثلاث سنوات، لتجد نفسها غير قادرة على تدبّر أمور عائلتها واحتياجات أبنائها مما دعاها للتفكير في البحث عن عمل، وزاد من رغبتها نجاح هؤلاء النسوة في تجربة العمل في المناحل، والتلذذ بالدخول إلى عالم النحل.

تضع أم فايز من وضع "البراويز" داخل صناديق الخلية، وقطف العسل من داخلها، ومراقبة الصناديق من الداخل، وبعد عام واحد على بداية هذا المشروع أصبحت بينها وبين النحل علاقة وطيدة، تجعلها أحيانا أتنقل بين صناديق الخلايا دون اللباس الواقية.

نحلٌ ودود!

ويبدو أن النحل اعتاد على أم فايز حيث صار يشاركها إعداد قهوتها، وهي داخل المطبخ، حيث تتفاجأ بوه يحوم حولها، دون إيذائها!.

أما عن غرائب عالم النحل، فمن ذلك أنه في حال حدوث انقسام داخل الصندوق، وظهور ملكة نحل جديدة فهي تطرد الملكة الأولى وتبيض ليكون لها عاملات، وذلك لأن النحل مملكة منظمة فلا يمكن أن تلتقي ملكتان في صندوق واحد، وهو ما يسمى "الطرد"، ومن خلاله تتم زيادة عدد الخلايا.

في الشتاء يزداد الخير

أما عن المردود الاقتصادي لبيع العسل، وهو مصدر الرزق الوحيد لها، فلا يمكن تحديد المردود المالي للبيع، فكل شيء يعتمد أساسا على فصل الشتاء، الذي يطرح البركة ويزيد من الأشجار و والنباتات المزهرة بشكل كبير، وهذا يعني كمية عسل ممتازة، والعكس صحيح.

ففي الموسم الماضي جنت أكثر من 40 كيلوغراماً من العسل، أما الموسم الحالي فلم يتجاوز الإنتاج 15 كيلوغراماً، وكل المحصول تبيعه في دولة الإمارات العربية المتحد، من خلال أقربائها المتواجدين هناك.

يشار إلى أنه خلال السنوات الماضية، لوحظ توجه العديد من النساء إما بشكل فردي أو جماعي، إلى تربية النحل للحصول على مصدر رزق، فيما تعتبر فلسطين من الأماكن المناسبة لإقامة ممالك النحل المنتج للعسل.

اخبار ذات صلة