مرور أربعين عاماً على مجزرة مخيم "تل الزعتر" للاجئين الفلسطينيين في لبنان، والتي تصادف يوم 12 آب من كل عام، على أيدي "الكتائب" اللبنانية لم يمح من الذاكرة الفلسطينية تلك الأيام السوداء التي تعرض فيها المخيم الذي تعرض للحصار طوال 52 يوماً، وتلقيه 55 ألف قذيفة، و 72 هجوماً من المجموعات المسلحة، وسقط خلاله 3 ألاف شهيد غالبيتهم من المدنيين والنساء والأطفال وكبار السن، ولا تزال القصص المرعبة لعمليات الذبح الجماعية المليئة بالمآسي وروائح الدم تروى حتى اليوم بين الناجين.
تمثل مجزرة "تل الزعتر" واحدة من أسوأ صفحات الحرب الأهلية اللبنانية التي اندلعت عام 1975، والتي خلّفت وراءها آلاف المهجرين والجرحى وذوي الإعاقة، والذين ما زالوا إلى اليوم يعانون من تداعياتها.
كان وقع سقوط مخيم "تل الزعتر" على اللاجئين بمثابة نكبة فلسطينية جديدة، كانت مِلْحاً فوق جراح شعب شرد وطرد من أرضه، حيث لم يكن المخيم عادياً، بل كان خزان الثورة والحراك الشعبي اللبناني الفلسطيني، ولم يأتِ تدميره وإبادة أهله إلا في خدمة مصلحة العدو الصهيوني.
بدأت جريمة تل الزعتر عندما حاصر المخيم كلاً من الجيش السوري و"القوات اللبنانية" التي تتألف من: "حزب الكتائب" بزعامة بيار الجميل، وميليشيا "النمور" التابعة لـ "حزب الوطنيين الأحرار" بزعامة كميل شمعون، وميليشيا "جيش تحريرزغرتا" بزعامة طوني فرنجية، وميليشيا "حراس الأرز"، في شهر كانون الثاني العام 1976، ثم شنت القوات في 22 حزيران من نفس العام هجومًا واسع النطاق على تل الزعتر وعلى مخيم جسر الباشا الفلسطيني وحي النبعة اللبناني المجاورين له.
وفي 14 آب 1976، سقط مخيم تل الزعتر بعد أن كان قلعةً حصينة أنهكها الحصار، فدخلته "الكتائب اللبنانية"، تحت غطاء قصف سوري مدفعي آنذاك، وارتكبت فيه أفظع الجرائم من هتكٍ للأعراض، وبقرٍ لبطون الحوامل، وذبحٍ للأطفال والنساء والشيوخ، وكذلك ارتكبوا المجازر والجرائم، من اغتصابٍ وهدم للبيوت وإبادة الأطفال وسلب الأموال.
تشتت سكان "تل الزعتر" في عدد من المناطق اللبنانية، وأقاموا مساكن من صفائح التنك على أرض مجاورة لمخيم البداوي شمال لبنان، وأطلقوا على المخيم الجديد اسم "مخيم تل الزعتر"، ولا تعترف وكالة "الأونروا" بهذا المخيم، معللة أن "سكانه هم في الأصل من سكان تل الزعتر، ولا تستطيع أن تقدم خدماتها إلا لذلك المخيم"، في حين يطالب السكان الوكالة بتحسين ظروفهم أو بإعادتهم إلى مخيمهم الأصلي التي ما زالت الوكالة تدفع أجرة أرضه للدولة اللبنانية حتى الآن، في ظل وجود أحاديث عن اتفاق جرى مع الأونروا دفعها للتخلي عن أرض المخيم، وعدم السعي لإعادة اللاجئين إليه، الأمر الذي يتوجب على الوكالة أن تطلع اللاجئين على الاتفاق. إضافة إلى ضرورة التعويض من قبل الدولة اللبنانية والوكالة على أهالي الشهداء والجرحى وإعالتهم في العيش الكريم.
والحديث عن "تل الزعتر" يظل ناقصاً دون ذكر ملجئه الذي دُمّر على اللاجئين إليه من الفلسطينيين واللبنانيين، حيث تحول قبراً جماعياً، تحت ركامه جثامين الكثير من الرجال والنسوة والأطفال الذين لم يواروا الثرى حتى اللحظة، الأمر الذي يتطلب ضرورة المطالبة باسترداد جثامينهم وتكريمهم كشهداء.
ورغم المجازر التي حصلت بحق اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، إلا أن العودة إلى فلسطين هي شغلهم الشاغل، وتحريرها من تدنيس العدو الصهيوني هدفهم الأساس، والحفاظ على أمن واستقرار المخيمات هو بمثابة واجب للحفاظ على استقرار الدولة اللبنانية إلى حين العودة إلى فلسطين، فالوجود الفلسطيني في لبنان مؤقت، ولا مجال للتوطين بأي شكل من الأشكال. في حين أنه يتوجب على كل من شارك بالمجزرة وسفك دماء الأبرياء وشرد وحاصر الآلاف، أن يقدم اعتذاراً للشعب الفلسطيني عن جريمته النكراء التي أودت بحياة آلاف الأبرياء، تماماً كما حصل لاحقاً في مخيم صبرا وشاتيلا.