سربت مصادر "إسرائيلية" أنباء عن محادثات سرية بين "تل ابيب" ودول عربية لاستعادة ما يسمى أملاك اليهود، وأن دولاً عربية قررت تعويض اليهود الذين غادروها وتركوا أملاكهم فيها عام 1948، متوقعة أن يتم ذلك خلال شهر أو شهر ونصف، وفق ما نقلته صحيفة (هآرتس) التي أشارت إلى أن هناك أخباراً مؤكدة عن اتصالات سرية بين "إسرائيل" ومصر من أجل أموال «المهاجرين اليهود» فيما قالت وزيرة "المساواة" الاجتماعية "الإسرائيلية" جيلا جملئيل، إن السرية الكبيرة التي تحيط بالقضية مردها الخوف من تسريب معلومات متوقعة أن تثمر المداولات السرية مع «جهات عربية» بهذا المضمار عن نتائج «ذات وزن جوهري»، تتيح لاحقاً استعادة الأملاك اليهودية.
بغض النظر عن صحة ما ورد، فإن ما سبق يؤكد أن دولة الاحتلال لا تتوقف عن السعي إلى طمس قضية اللاجئين الفلسطينيين وصولاً إلى تصفيتها في ظل أجواء أكثر أريحية لها وعلاقات معلنة وغير معلنة مع أطراف عربية حول عملية التسوية في إطار "مبادرة السلام العربية" التي طرحتها السعودية عام 2002 .
فهي تحاول الربط بين مزاعمها عن حقوق اليهود الذين هاجروا إليها وحقوق اللاجئين الفلسطينيين من زاوية المطالبة بالتعويض عن الممتلكات التي تركها اليهود في الدول العربية وجعل ذلك قاعدة كي يتم تعويض اللاجئين الفلسطينيين. وهي في سياق ترويجها لما تسميه "السلام الاقليمي" تدعو إلى تعديل مبادرة السلام العربية وتركز على بند اللاجئين بإيجاد حل عادل ودائم لهم وفق القرار 194 الذي يدعو إلى عودتهم الى قراهم وأراضيهم وتعويضهم عن الأضرار التي لحقت بهم فهي تريد تفريغ العودة من مضمونها بإقرار مبدأ التعويض فقط وتوطين اللاجئين في أماكن تواجدهم. فكما استقبلت "إسرائيل" اليهود المهاجرين إليها ومنحتهم جنسيتها، فهي تريد من الدول العربية التي استقبلت اللاجئين الفلسطينيين أن تمنحهم جنسياتها وتوطنهم في مجتمعاتها مقابل التعويض
إن "إسرائيل" لا تتحرك في الفراغ وطرحها لقضية اليهود المهاجرين إليها لم يأت مصادفة بل هو نتاج عمل مستمر منذ عشرات السنين ليصبح قضية مطروحة في المفاوضات مع منظمة التحرير الفلسطينية. إلا أن رئيس وزراء العدو " الإسرائيلي" بنيامين نتنياهو ركز العمل في هذا الموضوع بشكل مؤسساتي وبحثي وفق معطيات وارقام عن أعداد اليهود العرب في "إسرائيل" وقيمة ممتلكاتهم. وجرى عقد مؤتمر بالقدس المحتلة حول هذا الموضوع عام 2012 تحت عنوان: "العدالة للاجئين اليهود". لكن الوثيقة الأهم في هذا السياق التي تكشف طبيعة الدعاوى "الإسرائيلية" والأهداف المبتغاة من وراء طرح هذا الموضوع صدرت في 24 أيار 2011 عن "مجلس الامن القومي" تحت عنوان: "خلاصة دراسة واقتراح موقف إسرائيل للمفاوضات مع الفلسطينيين في موضوع اللاجئين اليهود"، حيث أوصت الوثيقة بإدخال مسألة التعويضات للاجئين اليهود من الدول العربية إلى المفاوضات مع الفلسطينيين وأن اليهود العرب في "إسرائيل" يستحقون مكانة لاجئ حسب القانون الدولي معتبرة أنهم هجرّوا قسراً من بلدانهم، ولم يسمح لهم بأخذ ممتلكاتهم أو بيعها، وقدرت الوثيقة عددهم ب856 ألفاً منهم 600 ألف هاجروا إلى فلسطين، والباقون انتشروا في أمريكا وكندا وأوروبا، وقالت الوثيقة إن اللاجئين اليهود امتلكوا آنذاك 700 مليون دولار تقدّر حالياً بــ6 مليارات دولار وزعمت أن اللاجئين الفلسطينيين بالمقابل يبلغ عددهم بين 600 الى 700 الف من عام 1948 فيما هناك بينهم 200 الى300 ألف منهم انتقلوا من الضفة المحتلة الى الاردن بعد حزيران 1967م يعتبرون نازحين، وتقول وثيقة مجلس الامن القومي بأن المصلحة "الإسرائيلية" هي تثبيت صلة بين ما تسميه "مأساة اللاجئين اليهود" وبين مسألة اللاجئين الفلسطينيين، وتشدد على أن المسألتين مرغوب فيه عرضهما كجملة واحدة في البحث في موضوع اللاجئين في المفاوضات على التسوية الدائمة.
من الواضح أن هناك مغالطات كبيرة فيما تورده "إسرائيل" في هذه الوثيقة، وأكاذيب تزور التاريخ. لكن "إسرائيل" نجحت عبر تكرار الأكاذيب في تحويلها إلى مصطلحات يجري تداولها على الصعيد الدولي بحيث باتت كلمة "اللاجئين اليهود" مقبولة وقد رسخ هذا المصطلح في ندوة عقدت حولهم عام 2012 في الأمم المتحدة حضره أعضاء في الكونغرس الأمريكي ومسؤولون في الأمم المتحدة. ولا يخفى هنا أن اليهود الذين هاجروا من الدول العربية إلى إسرائيل جاء في سياق عمليات عنف ضدهم نفذها الموساد من أجل إجبارهم على القدوم اليها باعتبار أن بلادهم الأصلية اماكن غير آمنة لهم. فالمصادر والدراسات التاريخية تؤكد أن الموساد "الإسرائيلي" قام بتفجيرات في الكنس والأحياء اليهودية في المدن العربية في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات، من أجل حث اليهود على الهجرة إلى "إسرائيل" ومن هذه التفجيرات حادث تفجير الكنيس مسعودة في العراق عام 1950، والتفجيرات في مصر في نفس العام والتي على إثرها اعتقلت خلية للموساد واعترفت بالتفجيرات وفجرت فضيحة في "إسرائيل" باسم "فضيحة لافون" وهو وزير الحرب "الإسرائيلي" آنذاك بنحاس لافون. كذلك عقدت "إسرائيل" إتفاقيات سرية مع بعض النظم العربية آنذاك مثلاً: نوري السعيد في العراق، والنميري في السودان للعمل على تهجير اليهود الفلاشا إلى "إسرائيل" نهاية الثمانينيات.
الهدف "الإسرائيلي" واضح كالشمس وتل أبيب توظف تطورات الصراع المسلح في بعض الدول العربية التي ولدت ملايين من اللاجئين كي تتهرب من مسؤوليتها عن قضية اللاجئين الفلسطينيين التي خلقتها عبر التهجير القسري والمجازر وتدمير القرى وقصفها بالمدفعية والطائرات. وهي ترى في الوضع العربي الراهن فرصة ذهبية لتتخلص من هذه المسألة. والتأمل في توصيات صادرة عن وزارة الخارجية "الإسرائيلية" يؤكد ذلك بوضوح حيث جاء "وجوب إيجاد حل مشترك بين الدول العربية والمجتمع الدولي لتوفير التعويضات للاجئين الفلسطينيين واليهود على حد سواء. ولبلوغ هذا الهدف يتم إنشاء صندوق دولي يستند إلى اقتراح الرئيس (بيل) كلينتون لعام 2000 وقرار الكونغرس الأمريكي رقم 185 المتخذ عام 2008م، وهو صندوق تشارك فيه "إسرائيل" أيضاً، ولو بشكل رمزي فحسب. كما يتولى الصندوق تعويض البلدان التي ظلت فعلا تعمل على استيعاب اللاجئين وإعادة تأهيلهم، ومنها الأردن وإسرائيل (بأثر رجعي)، وقد يتم تعويض لبنان أيضاً، في حالة استعداده لإعادة تأهيل ذرية اللاجئين الفلسطينيين في أراضيه.
ومن الواجب التأكيد هنا على أن القاعدة التي يعتمد عليها التعويض ستكون قيمة ممتلكات اللاجئين في حينها، والتي أظهرت الدراسات أنها كانت أكبر بكثير في حالة اللاجئين اليهود، مما كانت عليه في حالة اللاجئين الفلسطينيين"، فالهدف واضح وهو الوصول إلى إنهاء وتصفية حق العودة لملايين اللاجئين الفلسطينيين.
المصدر: صحيفة الاستقلال
