في حياة كل كاتب بقعة جغرافية تخصه، مدينة ما، جاءها متأخرًا أو ولد فيها، أو مر منها، فألهمته. مدنهم القريبة والبعيدة الباقية والمتغيرة، مدن سلام وأخرى تجتاحها الحروب بعنف، مدن التصقت بأصحابها، وبعضها هرب منها كُتّابها وقالوا فيها عتابًا قاسيًا وراحوا يتمنون غيرها.
مدن دخلت حياة كُتّاب، وصارت وطنًا صغيرًا يتسع جنونهم، عزلتهم، خطوات أقدامهم، شرودهم في تفاصيلها، عاشوا فيها حبًا أو خيبة، مدن دافئة وأخرى باردة.
محمود شقير: القدس مدينة من طراز خاصّ تعلّمت منها وألهمتني وما زالت
القدس هي مدينتي الأولى. لم أعرف أيّة مدينة قبلها. بعدها عرفت مدناً كثيرة، وعشت منفيّاً في مدن أخرى: بيروت، عمّان وبراغ. أحببت هذه المدن الثلاث، التي احتضنتني ثماني عشرة سنة هي مدّة إقامتي في المنفى القسريّ، غير أنّ القدس ظلّت مدينتي التي جرّبت فيها الدهشة الأولى، دهشة الاحتكاك بالمكان الفسيح حيث تكثر حركة الناس وتتعدّد المشاهدات.
ثم إنّني ذقت فيها مرارة الحرب، شاهدت الحرب بأمّ عيني. ولم تكن الحرب هي نهاية المطاف، عرفت فيها الحبّ وانبهار القلب بفتنة الجمال. عرفت فيها المزيد من أسرار الحياة، ثم عشت فيها ذلّ الهزيمة، وحينما أُبعدت منها تجرّعتُ مرارة الفراق.
القدس بالنسبة لي هي حاضنة الروح ومهد الطفولة والشباب. لا يمكن أن أتصوّر تجربتي في الحياة دون أن تكون القدس حاضرة فيها تمام الحضور. في سنوات الطفولة شاهدت الناس وهم يتقاطرون من كل أنحاء فلسطين الى القدس، يتجمّعون في ساحات المسجد الأقصى، يردّدون الأغاني الشعبية والدينية، يرقصون ويحتفلون، ثم ينطلقون في موكب مهيب إلى مقام النبي موسى الذي لا يبعد عن القدس سوى كيلومترات عدّة.
شاهدت في سنوات الطفولة، المصلّين المسيحيين من أبناء القدس ومن غير أبنائها، وهم يجتازون درب الآلام بخطى متّئدة فيما تعلو التراتيل الدينية الشجيّة، وتعبق في الجوّ روائح البخّور.
في المسجد الأقصى، كان إحساسي الأوّل بالمكانة الخاصّة للقدس. وفي كنيسة القيامة كان إحساسي الأوّل بأهميّة التعدّدية، والتسامح والتعايش بين الأديان. وبالقرب من سورها الذي بني أوّل مرّة قبل آلاف السنين، كان إحساسي الأوّل بعراقة المدينة. وكان لي في القدس كتاب أوّل، وفيلم سينمائي أوّل، وحب أوّل، وتظاهرة سياسيّة أولى، واجتماع حزبي ثانٍ (اجتماعي الحزبي الأوّل كان في رام الله، التي لا يقلّ حبّي لها عن حبي للقدس). كانت المدينة تعلّمني بحكم نشأتها وتكوينها، وبحكم تنوّع ثقافتها وعراقة تاريخها، كيف أصبح إنساناً بعيداً من التعصّب والانغلاق.
في شوارعها الممتدّة خارج السور وفي أسواقها المسقوفة، كنت أرى خلقاً كثيرين: أعيان المدينة ورجال الدين فيها، مثقّفيها وتجارها وموظفّيها وعمّالها وحَمّاليها، نساءها بالأزياء التقليدية، أو بالأزياء الحديثة التي ترتديها شابّات متماهيات مع إيقاع العصر، يتهادين في الأماسي الرائقة، مضفيات على المدينة رونقاً وبهاء. وكنت أرى أهالي القرى المجاورة للمدينة، نساء ورجالاً، وهم يأتون إلى المدينة لغايات شتّى، ولا يعودون إلى قراهم إلا قبيل المساء.
وثمة نساء ورجال من مختلف البلدان، يجيئون إلى المدينة للسياحة أو للحج. في القدس، تعرّفت إلى المقهى، السينما، المكتبة، النادي الرياضي، المطعم، الفندق، المسجد، الكنيسة، الحزب السياسي، وبعض عادات الشعوب التي يأتي بها رجال ونساء من أماكن نائية.
هذه المدينة ليست أيّة مدينة، إنّها مدينة من طراز خاصّ. هي مدينتي التي تعلّمت منها، وألهمتني كثيراً ممّا كتبت وما زالت تلهمني. لها المجد والحرية والخلاص.
عدنان الصائغ: الكوفة .. لندن
سأتحدث عن مدينتين متناقضتين رسمتا حياتي وكتاباتي، وهزهزتهما معاً! وهما الكوفة ولندن .إذ كيف لشاعرٍ مثلي تأبط منفاه منذ حوالي ربع قرن أن يتوقفَ عند مدينة واحدة، وقد توزَّعته مدنٌ عديدةٌ ومحطات شتات في قطار الشعر المسافر إلى الأبدية.
مدن وأصدقاء ومكتبات وبيوت مرّت به ومرّ بها: الكوفة، بغداد، عَمّان، بيروت، مالمو، لندن. لكن اللتين أحدثتا انعطافاً هاماً هما: الكوفة حيث ولدتُ، ولندن حيثُ أعيشُ وأكتب.
ناصر الريماوي: الزرقاء مدينتي الملهمة
الزرقاء، حيث الأزقة المنسية، تسندها البيوت الصغيرة، المشرعة بتلك الفسحات السماوية، والمتلاصقة على الجانبين، طرقات ضيّقة، ملتوية ومتربة، تختلط فيها روائح الطبخ المختلفة، عند الظهيرة، وتتداخل فيها الأصوات، تلك كانت أولى مفرداتنا المميزة والتي علقت في اذهاننا حتى يومنا هذا.
كان يروق لنا نفض الأتربة عن أجسادنا المعفرة آخر النهار، كصبية صغار، كنّا أطيافاً تستقبل الحواكير القريبة، نفلت مع طلعة الشمس لنعود بعد أن يهدّنا التعب اللذيذ نركن لبسطات الدكاكين المرصوصة على أرصفة الشوارع الضيقة، المحاذية للحي.
ما الذي يعطّر أيامنا اليوم، غير اجتذاب خواطر نزحت فأمتلأ بها الجدار، خربشات الطباشير على جدران الأزقة، ظلّت حتى يومنا هذا كالنقش، وثغر صبيّه رحلت ذات يوم بعيدا، أوصدت في وجوهنا رحابة النافذة الوحيدة المطلة على قتامة الزقاق، أوصدتها لمرة أخيرة ورحلت. تلك الصبية لا زلت اذكرها جيدا، استردت من كل واحد منّا ملامح وجهها وابتساماتها التي كانت تشعل الحيّ، انتزعتها بقسوة من بين تلك الخربشات ثم مضت.
بعد عشرين عاما على رحيلي عن ذلك الحيّ، كنت أعرّج للمرة الاولى كي أرى الجدار، بقي النقش بينما رحلت هي، كلما مررت من هناك أعرّج بعد تردد طويل، لتلقاني النافذة بالصدأ، عشرون عاماً والشمس تطلع، تحملق ثم تغيب، والنافذة تلعق ما خلفه الصخب، و"الدكنجي" العابس تكوّم في حجر كرسيه أكثر، لم يعرفني هو في الوقت الذي بكى فيه الزقاق.
تسكنني الأزقة بكل تلك التفاصيل الدقيقة، الدكاكين الصغيرة المركونة على رصيف الشارع الفرعي أيضاً، أتوق إلى ذلك الشارع الترابي قبل إسفلت البلدية، والذي محى آثار اقدامنا هناك، وللأبد.
ميدان الحاووز الذي انتهى معلما من معالم المدينة، كان فسحة جميلة ومتاحة للتنزه في غياب الحدائق العامة، أو حتى للتسكع حوله. المدرسة الابتدائية القريبة، وباعة الحلوى والفطائر عند بوابتها الحديدية. المخبز الوحيد في الحيّ، مخبز " أبو علي" وفرش العجين في تلك الصباحات الباردة، فوق رؤوسنا.
نهر الزرقاء، على أطراف المدينة الصحراوية، أو "السّيل" وبعض عيون الماء التي تصب فيه، وتلك الرحلات الأسبوعية أو الموسمية، نحو مسطحاته الخضراء القائمة على جانبيه، وتلك البيوت الحجرية العتيقة، الموزعة على ضفتيه، لسكّان المدينة الأوائل، وظلالها الغامضة وهي تسكن أعماق الذاكرة الحيّة إلى اليوم، بيوت تهدّم بعضها، بعد أن هجرها أصحابها مخلفين وراءهم كل وقائعهم اليومية وشغف الذكريات، وحتى بعضا من أرواحهم، بقيت رهنا للشمس فوق شرفاتها.
رجاء بكرية: حيفا رائحة عشق عتيق مُضمخٍ بتفاصيل وجوهٍ وكلمات
المدن كالكتب تماما لا يمكن أن تنسى أوّل مرّة عشت رائحتها. ولا آخر مرّة شككت على غلافها دبّوس حيرتك. وللمدن في حياتي ذاكرة، بعضها يمشي على جسدي والبعض الآخر يعيشُ تفاصيلهُ حُرّا في دواليبِ رأسي. لكنّ أشْوَقَ المدن هي الّتي تعيشُ فيكَ كأيّ شامة غريبة تكبر في مكان لا تتوقّعه من جسدك. وحيفا ظلّت رائحة عشق عتيق مُضمّخٍ بتفاصيل وجوهٍ وكلمات، تعيشُ في كلّ زاوية منّي. وحتّى الجوارير المقفلة يمكنكَ إذا تجرأت على فتحها، أن تعثرَ على رائحة البحر مستشريا في خشبها.
والغريب أنّها تختلف في ساعات اليوم، وفي كلّ مرّة ستصعد فوق جسرِ كرملِها ستحسُّ ملابسك مبلّلة برغوة بحر يبعد عنك كيلومترات. كيف يحدث ذلك؟ لا أعرف، لكنّي أذكر أّني دائما أعود إلى شقّتي مبلّلة بالموج، ولا يهمّ في أيّ مواقعها أكون. تحت أو فوق الجسر. أمام أو بعد الموج. قرب أو خلف الرّمل. ولقاءاتي فيها ليليّة. يوميّا تقريبا أساهرُ البحر، لأنّها مدينة لا تحبّ النّهار صيفا، لكنّ للشّتاء حكايا الجمر في شوارعها وأرصفتها.
أحبّ فيها ما لم يرَهُ غيري في زجاج نوافذهم، وأكره المرّة الوحيدة الّتي وقفتُ فوق جِسرِها مع رجل، وسبّ الشّتاء لأنّه أغرقَ قبَّةَ مِعطَفِهِ بالبَرَد، أذكر أنّي تمنّيتُ يومَها أن أدفعه إلى الشّارع من عُلوّ، ومن يومها لا أرافقُ رجُلا إلى جسورِها. وحيفا برأيي مدينة تنجح في كلّ خطوة عِشق أن ترسُمَ رواية، ورواياتها شتائيّة بحتة تَعدُ فيها الشّخوصُ سماءها بالسّحر، وتُعِدُّ أحذيتها للمغامرة. لأجل ما لم أعشهُ فيها بعد أحبّها.
المصدر: وفا
