يشوب حملات المقاطعة العربية الرسمية ضد "إسرائيل" الكثير من التناقضات والأقوال التي تتنافى مع الأفعال على أرض الواقع، فعلى الورق تؤكد الدول العربية على تفعيل هذه المقاطعة حتى إنهاء الاحتلال للأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967. ولكن ليس هذا ما تعكسه العلاقات الودية والتعاملات الاقتصادية بين بعض هذه الدول و"إسرائيل".
وعقدت الأمانة العامة لجامعة الدول العربية الثلاثاء الماضي المؤتمر الـ90 لضباط اتصال المكاتب الإقليمية للمقاطعة العربية لـ"إسرائيل"، برئاسة الأمين العام المساعد لشؤون فلسطين والأراضي العربية المحتلة سعيد أبو علي، والمشرف على المكتب الرئيس لمقاطعة "إسرائيل"، وممثلين عن منظمة التعاون الإسلامي.
وحسب بيان صحفي أصدرته الجامعة العربية، فإن المؤتمر يعقد على مدى ثلاثة أيام، بناء على قرارات مجالس جامعة الدول العربية على مستوى القمة وعلى مستوى وزراء الخارجية التي نصت على أهمية تفعيل المقاطعة العربية لـ"إسرائيل".
ووفق البيان، جاء في مقدمة التوصيات أهمية تطبيق الحظر وإدراج شركات على لائحة المقاطعة، وإنذار شركات أخرى، ورفع شركات من لائحة الحظر لاستجابتها لأحكام المقاطعة، والتركيز على استمرار تفعيل مكاتب المقاطعة الإقليمية في الدول العربية.
وعلى الرغم من أن الرئيس محمود عباس يضع الانسحاب "الإسرائيلي" من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، شرطاً لتطبيع العلاقات من جانب 57 دولة عربية وإسلامية مع "إسرائيل"، إلا أن المراقبين يرون أن الدول العربية نفسها لا تلتزم بهذا الشرط.
مقاطعة مفضوحة
استاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، د. حسن نافعة، رأى أن المقاطعة العربية لـ"إسرائيل" تتعرض للذوبان بشكل مستمر، مع ازياد نافذة الانفتاح العربي على "إسرائيل".
وقال نافعة: "إسرائيل استطاعت تجاوز أداة الضغط الفلسطينية، بأن المنفذ الوحيد للتطبيع يكون عبر الانسحاب من الأراضي الفلسطينية وإعادة الحقوق الفلسطينية المسلوبة، لأنه فعلياً التطبيع قائم ومستمر".
وبيّن أن التطبيع العربي عادةً ما لا يحدث من خلال الأنظمة الرسمية، بل من خلال رعاة ووكلاء عنها، أو رجال أعمال، من أجل عدم الخروج عن الإجماع العربي في مقاطعة "إسرائيل"، مشيراً إلى أن الإعلام "الإسرائيلي" تحدث في أكثر من مناسبة عن زيارات ولقاءات ودية وشراكات اقتصادية بين شخصيات عربية و"إسرائيلية".
ورأى نافعة أن بعض الدول الأوروبية تلتزم بمبدأ مقاطعة "إسرائيل" الذي اتخذه الاتحاد الأوروبي بسبب التوسعات الاستيطانية، أكثر من التزام الدول العربية بحملات المقاطعة العربية، الأمر الذي جعلها تسعى لفتح وتوسيع علاقاتها مع العرب من أجل البحث عن أسواق بديلة لها عن دول الاتحاد الأوروبي.
وأضاف: "معظم الدول العربية تتطلع لعقد شراكات اقتصادية مع "إسرائيل" لأن ذلك يعود إليهم بالفائدة والربح والانتعاش الاقتصادي، ضاربين بعرض الحائط الأثر السلبي المنعكس على القضية الفلسطينية بسبب هذا التطبيع".
تطبيع بأشكال مختلفة
أما المحلل السياسي عبدالستار قاسم، فيؤكد أن التطبيع العربي مع "إسرائيل" مستمر منذ حقبة الثمانينيات من القرن الماضي، موضحاً أن التطبيع بين هذه الأطراف يأخذ أشكالاً مختلفة منه تطبيع أمني أو ودي أو اقتصادي وتجاري وربما يصل إلى المستوى السياسي.
وقال قاسم: "واهم من يعتقد أن العرب يقاطعون "إسرائيل"، فثمة أنظمة عربية تعتبر استمرار وجود إسرائيل ضماناً لبقائها على سدة الحكم، لذلك عقدوا الشراكة السرية معها على المستويات الأمنية والسياسية والاقتصادية، الأمر الذي يشير إلى تناقضات كبيرة بين دعوات جامعة الدول العربية لمقاطعة الاحتلال، وما يطبق على أرض الواقع".
وأضاف:"من بين الأمثلة المطروحة على هذا التناقض، رفض السعودية نهاية العام 2015 خوض مباراة كرة قدم على أرض فلسطين، لاعتبار أنه نوع من أنواع التطبيع مع "إسرائيل"، ولكن شهدنا خلال الشهر الماضي، زيارة لوفد سعودي برئاسة الجنرال السعودي المتقاعد أنور عشقي إلى مدينة القدس المحتلة تحت ذريعة تشجيع "إسرائيل" على قبول مبادرة التسوية".
ولفت قاسم النظر إلى أنه سبق هذه الزيارة، زيارة أخرى قام بها وزير الخارجية المصري سامح شكري إلى القدس المحتلة، والتقى خلالها رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو الذي دعاه لتناول العشاء في منزله.
وبيّن أن هذه الزيارات والعلاقات تمنح "إسرائيل" الشرعية على احتلال القدس، واحتلال الضفة الغربية، وتضرب فلسفة المقاطعة الرامية إلى عدم إبرام أي علاقات مهما كان شكلها مع الاحتلال "الإسرائيلي".
ونوه قاسم إلى أن التطبيع بين الدول العربية و"إسرائيل" كان قديماً يتم عبر طرق غير مباشرة مثل قبرص وبعض الدول الاسكندنافية واليونان والولايات المتحدة حيث كانت البضائع "الإسرائيلية" تحول إلى هذه الدول ويتم فيها تغيير اسم دولة المنشأ لتصديرها إلى الدول العربية، إلا أن التطبيع أصبح يتحول إلى النظام العلني شيئاً فشيئاً، ولم يعد هناك حاجة لتغيير اسم دولة المنشأ للبضائع "الإسرائيلية".
ورأى أن هناك سباقاً عربياً لعقد الشراكة والعلاقات مع "إسرائيل"، من أجل الاستفادة من الخبرات الأمنية والعسكرية "الإسرائيلية"، في الوقت الذي تشهد فيه المنطقة العربية حراكاً عسكرياً وتقلبات سياسية، الأمر الذي يدفع بعض تلك الدول للتطبيع مع الاحتلال.
المصدر: الاستقلال
