راغدة عسيران
في الوقت الذي تسلط الصحافة العربية والعالمية الضوء على توافد الأجانب للالتحاق بداعش والمنظمات "الإسلامية" و"الإرهابية"، وصل مؤخراً أكثر من 400 مستوطن إرهابي صهيوني جديد إلى كيان العدو على دفعتين، قادمين من فرنسا والولايات المتحدة وكندا. تشير معطيات العام الفائت (2015) الى أن عدد المستوطنين الصهاينة الذين استقدمتهم المؤسسة الصهيونية العالمية إلى فلسطين المحتلة بلغ أكثر من 30 ألف مستوطن، قادمين أساساً من فرنسا وأوكرانيا وروسيا. أما في عام 2014، فبلغ عددهم 27 ألف مستوطن. هؤلاء المستوطنين الصهاينة، الذين قدموا مؤخراً من الدول الغربية والشرقية، وأحياناً من الدول العربية والإسلامية (اليمن مثلاً، في عملية يقال عن تورط جهة عربية رسمية فيها) يمارسون إرهاباً منظماً ضد المجتمع الفلسطيني الصامد في أرضه، دون أن يلتفت المجتمع الدولي، دوله ومنظماته وأحزابه، إلى هذه الجريمة المتواصلة والمشرعنة منذ بداية القرن الماضي. ترك هؤلاء الإرهابيون بلدانهم الأصلية بمعرفة الجهات الرسمية، وأقاموا مهرجانات علنية قبل مغادرتها، معلنين عداءهم للشعب الفلسطيني ونيّتهم المشاركة في الاستيطان على أرضه وحمل السلاح ضده.
تشير الأرقام المتوفرة إلى إقامة أكثر من نصف هؤلاء الإرهابيين في المناطق المحتلة عام 1967، ولا سيما في مدينة القدس، التي تعاني من تهجير أهلها والتضييق عليهم بكافة الوسائل المؤسساتية الصهيونية، بغية تهويدها بالكامل، عن طريق زيادة عدد المستوطنين اليهود القادمين من وراء البحار وتشويه معالمها التاريخية والاستيلاء على مقدساتها. لم يلتفت المجتمع الدولي إلى هذه الجريمة المتواصلة، بل يساهم في ارتكابها عندما يغض النظر عن تدفق المستوطنين الجدد القادمين من الدول الغربية ويشرعن "هجرتهم"، رغم التأثيرات السلبية على البنية الاجتماعية والديمغرافية لتلك الدول، التي يخلفها تصدير اليهود الى كيان العدو، إضافة الى الكوارث الإنسانية التي ستسببها الصهيونية باليهود في العالم عندما تضعهم في موقف معادٍ للشعوب العربية والإسلامية.
يقيم هؤلاء المستوطنون في المناطق المحتلة عام 1948 أيضاً حيث تشن المؤسسة الصهيونية حربا شرسة ضد الوجود الفلسطيني، الذي تعتبره تهديداً ديمغرافياً على أمنها. في النقب المحتل، يحاول العدو ترهيب أهل العراقيب وأم الحيران لإرغامهم على الرحيل وترك الأرض والقرى للغزاة الجدد القادمين من وراء البحار، وحصار العراقيب بعد تدمير بيوتها أكثر من مئة مرة، واعتقال شيخها صياح الطوري ليس إلا حلقة من الحلقات الإرهابية التي يمارسها الكيان الإستيطاني ضد أبناء الشعب الفلسطيني الصامد على أرضه. يركز كيان العدو على إقامة هؤلاء المستوطنين الجدد في المناطق التي ما زال الفلسطينيون يشكلون نسبة عالية نسبياً من السكان في فلسطين المحتلة عام 1948، مثل مدينة حيفا، حيث أصبحت الأحياء العربية مطوقة ومحاصرة من قبل أحياء المستوطنين التي تتمدد كلما جاء مستوطنون جدد من وراء البحار. يهدد هؤلاء الغزاة الجدد المدن الفلسطينية الأخرى، التي يشار اليها بـ"المدن المختلطة"، والتي تسعى المؤسسة الصهيونية الى جعلها "يهودية" خالصة، كمدينة عكا التاريخية، حيث تطرد عائلاتها بحجة تطوير المدينة، وتدمّر أو تصادر بيوتها القديمة لمحو الوجود الفلسطيني فيها.
لقد شارك المجتمع الدولي بجريمة إقامة الكيان الصهيوني على أرض فلسطين وبطرد الشعب العربي الفلسطيني، بحجة أن اليهود الأوروبيين كانوا ضحايا النازية الأوروبية، والدعاية الصهيونية والغربية مستمرة حتى الآن بالتذكير بـ"المحرقة" والتباكي عليها، وتعمل جاهدة من خلال المنظمات الدولية لجعل العرب والمسلمين يتقبلون المستوطنين الصهاينة بينهم ويتعايشون معهم بحجة هذه "المحرقة". بعد أكثر من 60 عاماً على انتهاء الحرب العالمية الثانية والقضاء على النازية الأوروبية، ما هو السبب الذي يجعل المجتمع الدولي اليوم يغض النظر عن الغزو الصهيوني المتواصل الذي يهدف إلى طرد المزيد من الفلسطينيين وشن الحروب عليهم، ومنعهم من العودة الى بلادهم، وسرقة أراضيهم ومياههم، وقتلهم وحرقهم أحياء في قراهم وبيوتهم؟ يستنكر المجتمع الدولي بعض الأعمال الإجرامية الفاضحة التي يرتكبها الصهاينة، مؤسسة أو أفراداً، ولكنه يشرعن الغزو الصهيوني المتواصل الذي يهدد الوجود الفلسطيني في وطنه. لم تندّد أي دولة بهذا الغزو المتواصل، ولا أي جمعية حقوق إنسان أو منظمة غير حكومية في العالم، وذلك لأنهم يعتبرون هذا الغزو شرعياً، طالما نزل الإرهابيون الصهاينة في مطارات وموانئ الكيان، حيث يرحب بهم قادة العدو، وكأنهم ناجين من كارثة، وهم الذين سيساهمون في قتل الأطفال الفلسطينين وحرقهم ودهسهم، وسيقتلعون الأشجار ويسممون الآبار في الضفة الغربية، وسيشاركون في قتل الآلاف من المدنيين في غزة، وسيساهمون في طرد أهل العراقيب وأم الحيران، وحيفا وعكا ويافا، للسكن مكانهم والاستيلاء على أراضيهم وبيوتهم، كما أثبتت مسيرة الاستيطان الصهيوني في فلسطين حتى الآن. فالكيان الصهيوني يبقى مصنعاً للإرهابيين، عندما يحوّل اليهودي في العالم من مواطن في بلده الى مستوطن شرس يستولي على أملاك غيره ومستعد للقتل من أجل الحفاظ على ما يعتقد أنه أمنه الشخصي أو الجماعي، أو الحفاظ على كيان مغتصب بلا جذور، أقيم لبسط سيطرة الغرب على الأمة العربية والإسلامية.
فإن كان المجتمع الدولي يشرعن هذا الغزو الصهيوني المستمر، فمن واجب الإعلام العربي تسليط الضوء على هؤلاء المستوطنين المتوافدين من الدول الغربية والشرقية، بنيّة المشاركة في استيطان فلسطين وطرد وقتل أهلها، وعلى المقاتلين المرحلين الذين يشاركون في حروب العدو، كما حصل خلال حرب صيف 2014، كما من واجب المنظمات العربية العاملة في المجال القانوني العمل على إدانة وفضح هذا الغزو المتواصل ومنعه.
أمام هذه الجريمة الرسمية المنظمة التي يرتكبها كيان العدو بغطاء دولي كامل، ثمّة من يشكك بجدوى المقاومة عندما تقصف المستوطنات لمنع ساكنيها من الشعور بالأمان والراحة؛ وثمة من يشكك أيضاً في جدوى الانتفاضة وشبانها الذين يلاحقون المستوطنين بالدّعس والطعن، بعد أن استقدم هؤلاء من أصقاع الدنيا ليصادروا الأراضي ويعيثوا في الأرض الفلسطينية خراباً وإفساداً، وكأنّ الشعب الفلسطيني يملك ترف خيارات أخرى غير المقاومة والانتفاضة.، أو كأنّ ما يسمى بالمجتمع الدولي يبقي له خيارات غير هذه.
المصدر: وكالة القدس للأنباء
