قائمة الموقع

الحرم القدسي عنوان الصراع

2016-07-23T10:23:17+03:00

مرة تلو مرة، وبشكل متزايد، يقتحم المستوطنون الحرم القدسي الشريف، لتأكيد حضورهم فيه. ومرة تلو مرة يندفع الشبان الفلسطينيون لمواجهة هذه الاقتحامات ويصطدمون بالمستوطنين. ومع كل صدام كهذا، يعود الحرم القدسي إلى واجهة الأحداث، مبيناً أن الغرض «الإسرائيلي» من دوام الاحتلال، ليس فقط استمرار السيطرة على الأرض، وإنما أيضاً مصادرة مقدساتها تمهيداً لإفراغها من أصحابها.

ليس صدفة أن الهبات والانتفاضات الفلسطينية الأخيرة بأغلبيتها، إما انطلقت من الحرم القدسي الشريف أو اعتبرت جرائم الاحتلال فيه الشرارة التي تشعل نار الهبة. ورغم أن هذه حالة واكبت النضال الوطني الفلسطيني ضد الاحتلال البريطاني وضد الهجمة الصهيونية من أوائل القرن الماضي، إلّا أنها كانت أكثر جلاء منذ انتفاضة الأقصى في العام 2000.

وربما الآن، أكثر من أي وقت آخر، صارت تظهر للعيان أن المخططات «الإسرائيلية» بشأن الحرم القدسي ليست وهماً بل هي حقيقة قد تتجسد في الواقع، إذا توفرت لها بعض الظروف. وكانت فكرة السيطرة على الحرم وتدميره وإقامة «الهيكل» مكانه فكرة تراود بعض المتطرفين والمهووسين في الماضي، لكنها صارت فكرة تتغلغل في صفوف التيارات المركزية على الأقل داخل المعسكر اليميني في «إسرائيل».

ومعروف أن المداولات التي جرت في قمة كامب ديفيد في العام 2000 بين الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات ورئيس الحكومة «الإسرائيلية» حينها إيهود باراك تفجرت أساساً بسبب الحرم القدسي. يومها ظهرت لأول مرة بشكل رسمي المطالبة «الإسرائيلية» بتقسيم منطقة الحرم إلى قسمين ظاهري فوق الأرض وباطني تحت الأرض. وهذا التقسيم أوجد نزاعاً لا يمكن الفكاك منه، أو إيجاد حل له، وأوضح أن المطالبات «الإسرائيلية» ليست عابرة.

ورغم أن «إسرائيل» تتحدث منذ وقت طويل عن استمرار التزامها ب«الوضع القائم» في الحرم القدسي، ما يعني استمرار إدارة الأوقاف الإسلامية للحرم، مع بقاء الحضور «الإسرائيلي» الرسمي هناك، إلّا أن السلوكيات الفعلية تشير إلى تغيير زاحف. فالحكومة «الإسرائيلية» التي أعلنت في أثناء الهبة الأخيرة عن منع السياسيين من الوصول إلى الحرم شددت على هذا المنع أثناء شهر رمضان الأخير، ولكنها عادت وأرخت الحبل بعد انتهائه. فاندفع مستوطنون بينهم أعضاء كنيست لتأكيد الادعاء «الإسرائيلي» على الحرم، عبر التواجد فيه ومحاولة الصلاة هناك. وهذا بالطبع يعيد إلى الواجهة ما حاولت «إسرائيل» إخفاءه مؤخراً وهو نيتها السماح لليهود بالصلاة في الحرم، على أمل التقدم نحو تقسيم الحرم زمانياً بين المسلمين واليهود، كما هو قائم في الحرم الإبراهيمي في الخليل.

وتقريباً شكل شهر رمضان مناسبة لتوسيع الصدامات ضد المستوطنين وقوات الاحتلال في القدس وغيرها من أراضي الضفة الغربية. ولهذا السبب حظرت الشرطة «الإسرائيلية» زيارات غير اليهود للحرم في العشر الأواخر من رمضان على أمل أن تمر أيام رمضان الأخيرة وبعدها أيام العيد بهدوء قدر الإمكان.

ولكن الاستفزازات من جانب المستوطنين لم تتضاءل ودفاع الفلسطينيين عن الحرم لم يتراجع. فالمستوطنون اعتبروا أن قرار منع غير اليهود من زيارة الحرم، يمكن أن يرسخ أحقية المسلمين في الحرم.

ومعروف أن كل اقتحامات المستوطنين للحرم القدسي تتم بحماية الشرطة «الإسرائيلية» وبترتيب معها. وهذا يعني أن كل صدام مع المستوطنين هو في الواقع صدام مع الشرطة التي تنفذ سياسة الحكومة اليمينية الرامية إلى التشكيك في أحقية المسلمين بالحرم والداعية إلى تقاسمه.

ومؤخراً، أضيفت إلى ميدان الصراع في الحرم حلبة أخرى، وهي التي تتعلق بالموقف الدولي منه. وكان العرب والمسلمون قد أفلحوا في انتزاع قرار أولي في إبريل/نيسان الفائت من اللجنة الإدارية في منظمة اليونيسكو يقضي بأن الحرم القدسي تراث إسلامي، وأن الإجراءات «الإسرائيلية» تشكل مساساً بهذا التراث. واعتبرت «إسرائيل» هذا القرار إهانة كبيرة لها.

ومن المقرر التصويت على مشروع قرار أردني - فلسطيني في لجنة التراث العالمي في اجتماعها في تركيا. وتضم اللجنة في عضويتها 21 دولة تجد «إسرائيل» صعوبة في ممارسة الضغوط عليها لمنع إصدار القرار بشكل نهائي. ويبدو أن مساعي الإدارة الأمريكية لصالح «إسرائيل» في هذا الشأن لم تنجح حتى بعد نيل «إسرائيل» نوعاً من الاعتذار الفرنسي عن تصويت مشابه سابق.

ويطالب القرار «إسرائيل» بإعادة الوضع في الحرم القدسي إلى «الوضع القائم التاريخي» والذي يعني إعادته إلى ما كان عليه قبل العام 1967، عندما احتلت القدس والضفة الغربية. وتطالب «إسرائيل» الدول الأعضاء في لجنة التراث العالمي برفض أي قرار يمس ب«الصلة التاريخية» لليهود بالحرم الذي تعتبره «أطلالاً لهيكل سليمان» والإصرار على أن «الوضع القائم» يعني العودة إلى ما كان عليه الحرم قبل انتفاضة الأقصى عام 2000.

وما ترفضه «إسرائيل» في مشروع القرار أساساً هو كل إشارة لها بوصفها قوة احتلال، تنتهك بشكل متواصل المواثيق والقوانين الدولية بما تتخذه من إجراءات في المدينة المقدسة تغير طابعها وتعزز مساعي تهويدها. وهكذا فإن «إسرائيل» تستميت في مواجهة مشروع القرار في لجنة اليونيسكو لما ينطوي عليه من عواقب ذات قيمة سياسية دولية مهمة. لكن أهم ما تحاول «إسرائيل» تجنبه هو أن مثل هذا القرار يوفر للفلسطينيين والعرب فرصة صياغة لائحة اتهام معززة ضد «إسرائيل» في المحكمة الجنائية الدولية، حول نشاطاتها في الحرم.

ومن الوجهة السياسية فإن قرارات دولية من هذا النوع تمس بمنهج «إسرائيل» الرامي إلى تكريس قبول عالمي بأن القدس «عاصمة أبدية» ل «إسرائيل»، وهي بالتالي ترفض حتى كل منطق للتسوية، يقول بأنها يمكن أن تقول «عاصمة لدولتين» - «إسرائيلية» وفلسطينية. فمزاحمة الفلسطينيين على الحرم هي تعزيز لمزاحمتهم على القدس بأسرها. ومثلما أن الاستيطان في القدس ومحيطها جاء ليمنع التواصل بين شمالي الضفة وجنوبها بغرض منع إقامة دولة فلسطينية فإن الإصرار على السيطرة في الحرم جاء لمنع كل احتمال لإقامة عاصمة فلسطينية في القدس.

في كل حال فإن الاقتحامات «الإسرائيلية» للحرم والتي جرت مؤخراً لا تنفصل عن سياسة قديمة وثابتة أساسها إشعار الفلسطينيين بأن الحرم لا يعود لهم، وتشكيكهم في حقهم فيه. لكن من الواضح أن دعوات جماعات «أمناء جبل الهيكل» للتجمع والاقتحام تحت حماية الشرطة «الإسرائيلية» التي تعرقل وصول المصلين للحرم، وتمنع «المرابطة» فيه لم تغير من واقع الأمر شيئاً. ففي القدس أهلها الذين يرون في الحرم عنوان كرامتهم ورمز أحقيتهم في أرضهم.

المصدر: الخليج الإماراتية

اخبار ذات صلة