قائمة الموقع

في ذكراها الـ68: مجزرة اللد الهمجية لطخة عار أبدية في جبين "إسرائيل" واليهودية العالمية

2016-07-12T08:14:46+03:00
من مجزرة اللد

ترأس دافيد بن غوريون، مؤسس الكيان الصهيوني اجتماعاً في بداية تموز 1948 لمجلس الوزراء "الإسرائيلي" الأول عرض فيه الخطة العسكرية لاحتلال مدن اللد والرملة والقدس وبئرالسبع والنقب وقرية أم الرشراش (إيلات حالياً) على خليج العقبة وقال في الاجتماع: "علينا احتلال القدس بكاملها ثم علينا الوصول إلى خليج العقبة لإعادة ميناء إيلات مفتاح دولة إسرائيل إلى البحر الأحمر وأفريقيا والهند واحتلال النقب لاستيعاب ملايين المهاجرين اليهود الجدد إلى دولة إسرائيل، وطرد جميع السكان العرب من هذه المناطق التي سيحتلها جيشنا فوافق الجميع على الخطة".1

كانت مدينة اللد مركز القائد حسن سلامة، حيث كان يهرع لنجدة القرى العربية القريبة من يافا عندما تقوم القوات الصهيونية بمهاجمتها ومنها بلدتي سلمة، ولكنه استشهد في معركة رأس العين عندما حاول استعادة المكان من القوات "الإسرائيلية". واستشهد أيضاً القائد الكبير عبد القادر الحسيني في معركة القسطل. وبالتالي فقدت القوات العربية قادتها ومرجعيتها العليا وتقدّمت القوّات "الإسرائيليّة" واحتلت قرى المزيرعة، وديرطريف، وبيت نبالا، ونجحت في محاصرة اللد من المنطقة الشرقية أي من المنطقة العربية.

وكان المجاهدون في المدينة قد ركّزوا دفاعاتهم في المنطقة الغربية والشمالية من اللد، واستبعدوا أي هجوم من الشرق .

هاجمت القوات "الإسرائيلية" مدينة اللد من الجهة الشرقية بتاريخ 10 تموز فواجهتها قوات المجاهدين وقوات الجيش الأردني المتواجد في عمارة الحكومة وصدّت الهجوم. وأصيب قائد الهجوم الملازم إسحق رابين (رئيس حكومة العدو الأسبق) بجراح طفيفة بعد أن أصيبت سيارته بقنبلة ونجا من الموت بأعجوبة.

بعد فشل الهجوم، , وبناء على أمر غلوب باشا (البريطاني)، رئيس أركان الجيش الأردني (آنذاك) انسحبت القوة الأردنية المتواجدة في اللد.

وفي صباح اليوم التالي الموافق 11 تموز هاجمت الدبابات "الإسرائيلية" مدينة اللد من الجهة الشمالية، وكانت ترفع الأعلام الأردنية ويرتدي الجنود الحطة والعقال للتمويه على سكان المدينة.

هرع أهالي اللد لاستقبالها ظناً منهم أنَّها النجدة العربية القادمة للدفاع عن المدينة. وعندما وصلت الدبابات إلى الجسر الرئيسي أطلقت النار على حرس الجسر وقتلتهم كما قتلت عدداً من أهالي المدينة من الأطفال والنساء فاكتشف أهالي اللد أن الدبابات ما هي إلاَّ دبابات "إسرائيلية" تحمل الأعلام الأردنية إمعاناً في التمويه والخداع ويرتدي جنودها اللباس العربي. لجأ بعض الأهالي إلى المساجد وتجمّع في مسجد دهمش حوالي ( 750) عربياً فلحقت بهم القوات "الإسرائيلية" وقتلتهم جميعاً "باستثناء فرد واحد منهم هو شحادة خليل علي عبدالله .. والذي أفاد بأن اليهود كانوا يقومون بتصوير القتلى في الجامع فرحين" .2

استبسل المجاهدون في الدفاع عن مدينتهم، ودارت المعارك في شوارع المدينة ومنازلها 2 وفشل المعتدون "الإسرائيليون" باحتلال عمارة الحكومة (القلعة)، لذلك طلبت قوات الكتيبة الثالثة من "لواء يفتاع" المساعدة من اللواء الثامن وكتيبة موشي دايان. فتوجّه ديان وهاجم القلعة بدباباته ودمَّروا دبابتين له، وعجز بدوره عن احتلالها، فتركها ودخل المدينة للاشتراك مع قوات اسحق رابين في مذبحة رهيبة بحق أهالي اللد المدنيين من أطفال ونساء وشيوخ وشباب .

دار القتال داخل المدينة بوحشية منقطعة النظير، حيث استخدم الصهاينة راجمات القنابل والمدفعية لتدمير المنازل فوق سكانها من الأطفال والنساء والشيوخ وأشعلوا النيران في منازل المدينة ومحلاتها التجارية وقطعوا مياه الشرب عن الأهالي، وانتشر الضحايا ومئات الجرحى في شوارع المدينة دون ان يتمكن احد من اسعافهم..

ووصف "كتاب البالماخ" مجازر اللد بالقول إنَّه: "لاشك في أنَّ قضيَّة اللد والرملة وهرب السكان والتمرد، والطرد، الذين جاؤوا في أعقابها، قد وصلت فيها وحشية الحرب إلى ذروتها 3  .

وعند ظهر 12 تموز اخترقت فصيلة مصفحات تابعة للجيش الأردني مدينة اللد لإحضار بعض الجنود الذين نسيتهم المصفحات في محطة سكة الحديد، واعتقد سكان اللد أنَّ دخول المدرّعات الأردنية بعد احتلال الجيش "الإسرائيلي" للمدينة يعني بدء المعركة لطرد المعتدين من المدينة فأخذوا بإطلاق الرصاص على القوات الإسرائيلية" .

يقول العقيد احتياط موشيه كولمان عن مجزرة اللد إنه صدرت الأوامر لرجالنا بإطلاق النار على أي هدف، وسقط خلال المعركة (المجزرة) ضحايا كثر، ووصل عدد الضحايا من المدنيين من سكان المدينة إلى 250 شهيداً .4

طلبت القوات "الإسرائيلية" من زعماء اللد إبلاغ أهالي المدينة بالاستسلام دون قيد أو شرط .

واتفق الطرفان على وقف القتال شريطة أن يبقى جميع أهالي اللد في مدينتهم ولا يطردون منها كما طرد أهالي يافا وغيرها من القرى والمدن الفلسطينية .

توقف القتال وبدأ الأهالي يدفنون شهداءهم ويسعفون جرحاهم في شوارع المدينة ومنازلها ويسعون للحصول على الماء والغذاء .

رفعت المدينة الأعلام البيضاء. وطلبت القوات "الإسرائيلية" من الأهالي التجمّع في المسجد الكبير، مسجد دهمش والكنيسة المجاورة له وتسليم أسلحتهم. وفرضت القوات المعتدية حظر التجول ليلاً .

اكتشف المعتدون الصهاينة في الصباح أنّ الأهالي لم يضعوا قطعة سلاح واحدة أمام أبواب منازلهم فأخذوا بإطلاق القنابل والرصاص على أهالي المدينة فهرعوا إلى جامع دهمش واحتموا به، ولكن القوات الصهيونية دخلت الجامع وقتلت جميع من كان فيه وبلغ عددهم ( 750 ) مدنياً معظمهم من الأطفال والنساء والشيوخ .

توجّه وفد من أهالي المدينة ومعهم راعي كنيسة اللد سيمون غيرفية إلى مقر قيادة العقيد موشي كيلمان، حيث أبلغوه عن المذبحة الرهيبة التي وقعت في جامع دهمش وذكّروه باتفاق وقف القتال والهدنة فأجابهم كيلمان قائلاً:

"نعم وافقنا لكنكم خرقتم الاتفاق، حيث قامت دبابتان أردنيتان بمهاجمة قواتنا وساعدها أبناؤكم وهنا قال: سيمون غيرفيه وبقية الوفد إنَّ القوات الأردنية انسحبت منذ الليلة الماضية ولا يوجد في المدينة جندي أردني واحد، ولا يوجد سلاح مع المناضلين يقاتلون به، ربما تكون هذه الدبابات هي نفس الدبابات التي دخلت على الجسر. وهنا صاح به إسحاق رابين وقال إخرس لا نريد ثرثرة عليكم مغادرة المدينة فوراً هذه أوامر بن غوريون، ولا نريد أن نرى عربياً هنا وإلاَّ دمرنا المدينة على رؤوسكم ".5

يصف داوود العناني من اللد مذبحة جامع دهمش بالقول: "وقفوا بباب المسجد يحملون رشاشات من نوع هوشكز، وأفرغوا رصاصهم في كل من في المسجد فسقط كل من كان في المسجد ".6

وقتلت القوات الصهيونية ( 350) آخرين لطرد سكان اللد وإرغامهم على مغادرة المدينة مشياً على الأقدام، ومارست هذه القوات عمليات القتل والسلب والنهب، حيث قال داوود العناني الشاهد العيان: "وحين وصلت الحارة الشرقية من (اللد) كان جنود صهاينة قد افترشوا بطانية على الأرض وأخذوا يأمرون من يمر من أهل البلد أن يرمي ما لديه من أشياء ثمينة كالساعات والأساور على هذه البطانية".7

ووجد أيضاً مجموعة أخرى من الصهاينة عند شجرة سدرة جمزو يجبرون الأهالي التخلي عما يحملونه من مصاغ وأموال .

وقام الصهاينة بطرد أهالي اللد في عز حرارة يوم 12 تموز وشمسه الحارقة مشياً على الأقدام إلى قضاء رام الله .

ونهبت القوات المعتدية منازلهم وسرقت أموالهم ومجوهراتهم "حتى ساعات اليد والخواتم والحلق نهبوها من الرجال والنساء ".8

خطط المسؤولون الصهاينة لإجبار الفلسطينيين على مغادرة منازلهم ومدنهم وقراهم . لذلك تصرفوا بوحشية منقطعة النظير لتحقيق هذا المخطط اليهودي الاستعماري والعنصري والإرهابي اللعين . فارتكبت العصابات الإرهابية اليهودية المسلحة والجيش "الإسرائيلي" المجازر العديدة لترحيل الشعب الفلسطيني .

نشرت صحيفة "يديعوت أحرنوت" الصادرة في الثاني من أيار عام 1972 التفاصيل التي أوردها العقيد موشي كيلمان عن مجزرة اللد فكتبت: "قال كيلمان: بدأ احتلال اللد بمهاجمة أطراف المدينة بلواء يفتاح واللواء الثامن، بعد ليلة من المعارك في مؤخرة اللد اقتحمنا المدينة في ساعات بعد الظهر بالتنسيق مع طابور دايان وسيطرنا على مركز المدينة قبيل المساء، ورفعت المدينة الأعلام البيضاء. وتدفق السكان إلى المسجد الكبير والكنيسة المجاورة له. أعلنا بعد حلول الظلام منع التجول وطلبنا من السكان تسليم أسلحتهم. وعند الظهر تقدمت نحو المدينة مدرعات الفيلق الأردني، التي كانت مخبأة في منطقة محطة سكة الحديد. واعتبر سكان المدينة اقتحام المدرعات الأردنية  إيذاناً بالعمل فبدأوا بإطلاق النار.

صدرت الأوامر لرجالنا بإطلاق النار على أي هدف، وسقط خلال المعركة ضحايا كثيرة، ووصل عدد الضحايا من المدنيين من خلال سكان المدينة (250) شهيداً".

وهكذا حققت المجازر التي ارتكبها دايان ورابين وكيلمان بحق أهالي اللد المخطط الذي وافق عليه أول مجلس وزراء "إسرائيلي" بترحيل سكان المدينتين العربيتين عن طريق ارتكاب المجازر الجماعية والبدء بتهويدهما. وأصبح مطار اللد العربي يعرف بمطار تل أبيب - مطار بن غوريون.

وهكذا تحقق مخطط الترحيل الذي أقرته أول حكومة "إسرائيلية" لإقامة دولة يهودية نقية كأكبر غيتو يهودي عنصري واستعماري وإرهابي في قلب المنطقة العربية.

د غازي حسين

المصادر :

1-   علي سعادة، الهولوكوست الفلسطيني، عمان 2000،  ص75.

2-   نجيب الأحمد، فلسطين تاريخاً ونضالاً، ص 519.

3-   من ملفات الإرهاب الصهيوني، دار الجليل عمان 1985 ص 63.

4-  صحيفة "يديعوت أحرونوت" في 2/5/1972 .

5-   الهولوكوست الفلسطيني، مصدر سابق ص 78.

6-   جريدة "الشرق الأوسط"  في 1/5/1998 .

7-   المصدر السابق نفسه.

8-   الهولوكوست الفلسطيني، مصدر سابق، ص78.  

اخبار ذات صلة