من الأمور النادرة أن تتعرض حركة المقاومة الإسلامية "حماس" إلى هجومين من شخصيتين مسؤولتين في المملكة العربية السعودية وايران في الوقت نفسه، وتضطر للرد عليهما في بيان مشترك مفندة إدعاءاتهما، ولكن هذا ما حدث بالأمس، وأثار استغراب كثيرين.
لا يوجد أي ترابط، أو تنسيق، بين هجوم الأمير تركي الفيصل، رئيس الاستخبارات السعودي، والسفير الأسبق على الحركة، وآخر شنه العميد خسروا عروج، ولكنها الصدفة المحضة، التي تعكس حجم الضغوط التي تتعرض لها القضية الفلسطينية وفصائلها من جراء حالة الاستقطاب السياسي والطائفي التي تجتاح منطقة “الشرق الأوسط” حالياً، وتشكل السعودية وإيران رأس الحربة فيها، وان كان ذلك بشكل مضاد.
الأمير تركي الفيصل الذي حضر "متعمدا" مؤتمراً للمعارضة الإيرانية في باريس نظمته، ودعت إليه، منظمة "مجاهدي خلق" الإيرانية، القى كلمة هاجم فيها النظام الإيراني، وهتف مع الهاتفين لإسقاطه، والأهم من ذلك تمثل في "خروجه عن النص"، ربما قاصداً، عندما قال "إن الإدارة الإيرانية الحالية تسعى إلى تأسيس منظمات وجيوش غير نظامية باسم الغسلام لخدمة مصالحها، وإشاعة الفوضى في المنطقة من بينها الجيش الأحمر الياباني، وجماعة الأخوان المسلمين، وحركة حماس في غزة، وحركة الجهاد الإسلامي، وحزب الله في لبنان".
أما العميد عروج فاتهم حركة "حماس" بالسعي لتوقيع معاهدات مع "إسرائيل"، وتجري مفاوضات معها من أجل هذا الغرض بوساطة تركية، ملمحاً إلى المصالحة التركية الإسرائيلية، التي أدت إلى تطبيع كامل للعلاقات بين الطرفين.
حركة "حماس" استنكرت في بيان لها ما ورد على لسان الأمير الفيصل، وقالت أنها ترفض افتراءاته التي لا أساس لها من الصحة، وقالت أن تصريحاته تسيء الى الشعب الفلسطيني، وقضيته وتوفر له الذرائع لمزيد من عدوانه على هذا الشعب وأرضه ومقدساته، مثلما استنكرت الحركة في البيان نفسه تصريحات العميد الإيراني عروج حول مفاوضاتها لتوقيع معاهدات مع إسرائيل، وقالت إنها "إفتراءات باطلة لا أساس لها من الصحة، وأكدت أن القاصي والداني، ومنهم الحرس الثوري الغيراني، يعلم أن سياسة حماس الرسمية والفعلية عدم التفاوض مع العدو، وأنها تتمسك بالمقاومة في فلسطيني حتى التحرير".
حركة "الجهاد الإسلامي" التي ذكرها الأمير الفيصل في خطابه نفسه بأنها ضمن الحركات التي تدعمها إيران لنشر الفوضى، ردت بدورها ببيان اتسم بالقسوة على الأمير السعودي، أدانت فيه تصريحاته هذه، وقالت إنها "لا تخدم إلا الأجندة الإسرائيلية"، وتسعى "لتصفية القضية الفلسطينية".
اللافت أن الحرس الثوري الإيراني تنصل من تصريحات مستشاره العميد عروج بعد ساعات من بيان حركة “حماس”، وقال إن أقوال الأخير تمثله شخصياً، وليس الحرس، وقال "إن حركة حماس تقف في الخط الأمامي للشعب الفلسطيني في مقاومة الكيان الصهيوني"، ولكن لم يصدر، وحتى كتابة هذه السطور أي رد فعل من الحكومة السعودية، أو الأمير الفيصل على بيان حركة "حماس"، أو "الجهاد الإسلامي"، مما يؤكد توجها "سعودياً" رسمياً بتصنيف الحركة في الخندق الإيراني، رغم كل مواقفها الإيجابية تجاه الرياض، بما في ذلك تأييدها للحرب لعودة "الشرعية" في اليمن.
لا نفهم أسباب الهجومين على حركة "حماس" و"الجهاد الاسلامي" من الامير الفيصل، ولا حتى من مستشار الحرس الثوري الايراني، في مثل هذا التوقيت الحرج الذي تمر فيه، والقضية الفلسطينية بشكل عام، ولا يمكننا غير القول بأنهما يعكسان حالة الارتباك التي تسود المنطقة وتصاعد حدة الصراع الطائفي بين السعودية وايران، المرشح للتفاقم في الاسابيع والاشهر المقبلة.
من الواضح أن الأمير الفيصل يعكس سياسة سعودية قديمة متجددة، تريد الانتقال بقوة أكبر إلى المعسكر الآخر في مواجهة ايران، وتوظيف كل الأوراق الممكنة المتاحة لتفجير الوضع الإيراني الداخلي، وزعزعة استقرار الحكومة في طهران، مهما كلف الامر من مال وسلاح واعلام، ومثل هذا الموقف لا يكتمل ويعطي مفعوله إلا بالهجوم على أي طرف، أو فصيل، لا يقف معها، أي السعودية، في المعسكر نفسه، واتهامه بالوقوف في الخندق الايراني، وتوظيف امبراطوريتها الإعلامية الجبارة في هذا الميدان، تماماً مثلما حدث أيام حربها ضد العراق، ومساعيها لإسقاط نظام الرئيس الراحل صدام حسين، أثناء وبعد غزو الكويت، بمساعدة الولايات المتحدة وغزوها العسكري.
الانقسام الطائفي، وتأجيج سياسة المحاور التي تنبثق عنه، ستنعكس حتما على القضية الفلسطينية التي ستكون أبرز ضحاياها حتماً، لأنها، وبكل بساطة ستخلق شرخا انقساميا في الساحة الفلسطينية، وقد شاهدنا ارهاصاته اثناء حرب "عاصفة الحزم" في اليمن، وتكرار "أولي" للسيناريو نفسه في الصدام السعودي الايراني الذي خرج عن اطره السابقة، اي الحرب بالنيابة في سورية واليمن والعراق ليمتد إلى "تثوير" العمق الداخلي في البلدين، وإيران خاصة، بطريقة أو بأخرى.
إسرائيل ستكون فعلاً الكاسب الأكبر من هذا الوضع العربي والإسلامي المؤسف، لأننا نشهد تهافتاً وتطبيعاً عربياً وإسلامياً متزايدا معها، وهجوما في المقابل على حركات المقاومة التي حافظت على ما تبقى للامة من كرامة، ولن نستغرب ان نشاهد قريباً وضع هذه الحركات على قائمة "الإرهاب" تلبية لطلب الحليف الإسرائيلي الجديد.
المصدر: الرأي اليوم