أن يُستفز إعلامي شهير في الكيان مثل روني دانييل، ليعلن صراحة على شاشة المحطة الرئيسية للتلفزيون «الإسرائيلي» بأنه يشجع هجرة أبنائه الأربعة من هذه الدولة، يعني أن وراء الأكمة ما وراءها! جاء ذلك تعليقاً على تعيين الفاشي نتنياهو للعنصري ليبرمان، وزيراً للحرب في الدولة، التي تشير آخر استفتاءات إلى أن 62% هي نسبة المتطرفين من بين ساكنيها من المستوطنين سابقاً وحالياً ولاحقاً. دولة عدوانية عنصرية بشعة، اقتلاعية للسكان الأصليين واغتصابية مثل هذه، لن تدوم طويلاً بالطبع. حتى وإن تمترست خلف كل أبواب القوة. ما يسترعي الانتباه (والذي قد يبدو مؤشراً على عمق أزمة الكيان ديمغرافياً) هي الهجرة المعاكسة منه.
الإعلامي دانييل لم يخترع بتهديده جديداً، ذلك أن أكثر من الكثيرين مثله في هذه الدولة المارقة يودون الهجرة منها. يقول الكاتب الصحفي «إسرائيل هرئيل» في (هآرتس، 26 مايو/أيار الحالي): «يشعر دانييل وأصدقاؤه بالقليل مما شعر به جمهور واسع في عام 1968. أصابهم اليأس ويُشبهون «إسرائيل» بالسفينة التي تغرق: ومن يعتبر نفسه نبيلاً لا يتصرف بشكل نبيل: فبدلاً من العمل على إنقاذ السفينة، يساهم اليأس في إحداث ثقوب إضافية فيها. الفرار بدأ منذ زمن لعشرات الآلاف من الأطباء والأكاديميين والكفاءات وحتى من الضباط».
بالنسبة للهجرة من دولة الكيان، فقد تعاظمت في السنوات الأخيرة مقارنة مع الهجرة إلى دولته. الأسباب بالطبع كثيرة، منها: حروب الكيان العدوانية، افتقاد الأمن فيه، الأوضاع الاقتصادية (ليست بلاد السمن والعسل - مثلما يروجون!) والأهم عدم الشعور بالارتباط بالأرض، الذي يدرك كل مهاجر إليها، أنها مغتصبة! وأن الأضاليل والأساطير الصهيونية لم تعد تنطلي على أحد! ونثق تماماً أن كل صهيوني يستعملها في خطابه، يعتقد في صميم نفسه أنه يكذب. من الأسباب أيضاً: العنصرية السائدة في دولة الكيان حتى بالنسبة لليهود أنفسهم، فالأشكنازي (الغربي) مميز عن السفارديمي (الشرقي) وكلاهما مميزين عن الفالاشا. هل هذه دولة يُعاش فيها؟ هكذا يفكر كثيرون من المهاجرين إليها. وبالتالي تزداد الهجرة منها.
وحسب دراسة حديثة صادرة عن مركز تراث «بيغن»، فإن 59% من اليهود في الكيان توجهوا أو يفكرون بالتوجه إلى سفارات أجنبية للاستفسار وتقديم طلبات للحصول على جنسيات أجنبية، بينما أبدت 78% من العائلات اليهودية دعم أبنائها الشباب، للسفر إلى الخارج. ويستدل من دراسة صادرة عن مركز «مدى الكرمل» في حيفا (في أواخر عام 2015) أن هناك 1.5 مليون «إسرائيلي» يحملون جوازات سفر أجنبية، إضافة إلى مئة ألف يحملون الجواز الألماني، ونصف مليون يحملون الجواز الأمريكي، فضلاً عن 250 ألف طلب جنسية معلق في سفارة واشنطن بتل أبيب.
حتى تقرير «دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية» أظهر أن الهجرة اليهودية إلى الدولة الصهيونية في تراجع مستمر. وحسب تقديرات إحصائية لمراكز وصحف غير رسمية (تابعة للدولة)، يغادر «إسرائيل» سنوياً، لفترات طويلة، حوالي 22 ألف شخص، في حين يعود إليها عبر العام نحو 10 آلاف إلى 11 ألف شخص بعد غياب سنوات، ما يعني أن عدد من يهاجر سنوياً من الكيان هو نحو 11 ألف شخص، ولكنهم يبقون مسجلين في سجل السكان. وقد بين سجل أصحاب حق الاقتراع في الانتخابات البرلمانية التي جرت في الانتخابات التشريعية الأخيرة، أن نحو 620 ألف شخص، أي نحو 11% من أصحاب حق الاقتراع، هم في تعداد المهاجرين، وهذه النسبة كانت في عام 2009 نحو 8% الأمر الذي يعني أن الهجرة العكسية هي في تصاعد مستمر.
في شهر أغسطس/آب الماضي، أظهر استطلاع للرأي العام نشرته صحيفة «هآرتس»، أن 37% من «الإسرائيليين» يفكرون بالهجرة والعيش في دول أخرى. وقد جاء في الاستطلاع، أن أغلبية هؤلاء يدرسون الانتقال للعيش في دولة أخرى في المستقبل. وقد بينت الصحيفة كذلك أن «العامل الأساسي والمفاجئ في تحديد الرغبة بالهجرة ليس نابعاً من الأوضاع الأمنية فقط، بل من الأوضاع الاقتصادية»، فضلاً عن أولئك الذين يهاجرون لأسباب إيديولوجية، كمعارضة الاحتلال والقوانين العنصرية. ومن بين أكثر الأسباب التي تذكر كمبرر لمغادرة الكيان القول إن: «المسألة ليست لماذا غادرنا، وإنما لماذا بقينا كل هذه المدة دون أن نغادر؟». وفي استطلاع الرأي إياه جاء أيضاً، أن نحو نصف سكان «إسرائيل» الشباب، يفضلون العيش في مكان ما في الخارج لو أتيحت لهم الفرصة، وأكثر الأسباب التي يذكرونها كمبرر للرغبة في الهجرة هو أن الوضع الأمني والاقتصادي في الكيان مترديان.
من جهة أخرى، فإن البروفيسور «سرجيو ديلي - بيرجولا» من الجامعة «العبرية» في القدس، نشر بحثاً (في عام 2014) أظهر أن 14 ألفاً غادروا «إسرائيل» في عام 2013 ولم يعودوا إليها. وأوضح بعبارات مباشرة: «من الأمور التي تزيد من ضغوط الهجرة، أن «إسرائيليين» كثيرون قد اتخذوا إجراءات تمهيدية للمغادرة نهائياً في نهاية الأمر، حيث أظهرت إحدى عمليات المسح أن ما يقرب من 60% منهم اتصلوا، أو عازمون على الاتصال بأنهم لن يعودوا. في ذات السياق، أوضح آخر استطلاع للرأي أجرته جماعة تطلق على نفسها اسم «شبيبة هرتسل» أن منسوب الخوف على مستقبل الكيان، قد ارتفع في وسط الشباب بنسبة 71% بعد حرب الكيان على غزة في عام 2014. ويضيف سبباً آخر وهو: أن «الحالة الاقتصادية تكسر روح «الإسرائيلي» وتجعله يفكر بالهجرة».. باختصار، هذه هي دولة الكيان.
نقولها لكل من يراهن على بقائها الأبدي، أو على ضرورة عقد اتفاقيات سلام معها، باعتبار أن هذه الدولة أصبحت واقعاً.
الحليج الاماراتية