خلال هذا الشهر، أيار / مايو 2016، تحلّ الذكرى المئوية لاتفاقية «سايكس - بيكو» التي قسَّمت مشرقنا العربي إلى دويلات، تقاسمت النفوذ فيها فرنسا وبريطانيا.
ففي خضم أحداث الحرب العالمية الأولى بين عامي 1914 و1918 رسمت بريطانيا وفرنسا حدود بلدان المشرق العربي، في إطار ترتيبات الدول الاستعمارية الصاعدة لاقتسام ممتلكات السلطنة العثمانية ضمن اتفاقية سايكس - بيكو (1916(.
وقسمت الاتفاقية المشرق العربي إلى خمسة كيانات بين بريطانيا وفرنسا وانتداب دولي على المناطق الدينية، كما قسمت تركيا بين روسيا واليونان في خطة رسم فصولها كل من العقيد السير مارك سايكس وهو مستشار سياسي ودبلوماسي وعسكري ورحالة بريطاني، وفرانسوا جورج بيكو، وهو سياسي، ودبلوماسي، وحقوقي فرنسي، وحصلا على موافقة وزير خارجية روسيا القيصرية آنذاك سيرغي سازونوف.
وبعد الإطاحة بالقيصر الروسي نيكولاي الثاني في ثورة شعبية عام 1917 عثر الشيوعيون البلاشفة بزعامة فلاديمير لينين على نسخة من الاتفاقية في الأرشيف الحكومي، وعليها توقيع سيرغي سازونوف وزير الخارجية في حكومة القيصر، ونشروها في إطار فضح أطماع الدول العظمى في وراثة السلطنة العثمانية.
ولم يمنع ذلك بريطانيا وفرنسا بعد انتهاء الحرب من المضي قدما في تقسيم دول المشرق العربي، وفق ترتيب جرى التوافق عليه في مؤتمر "سان ريمو"، ويتوافق مع التصورات التي أنجزها مارك سايكس وجورج بيكو.
ومع تراجع دور الإمبراطوريتين الفرنسية والبريطانية عالميا، إثر أزمة السويس عام 1956 وتصفيةِ الوجود الاستعماري الفرنسي البريطاني في المنطقة ظلت آثار التقسيم الذي أرساه اتفاق سايكس - بيكو بادية في المشرق العربي بفوارق محدودة عما رسم له من ذلك الحين.
ومن أبرز الملامح التي أفرزتها الاتفاقية وعد بلفور الذي تعهدت فيه بريطانيا لليهود "بكيان قومي" وسمح بإنشاء الكيان الصهيوني على أرض فلسطين.
وبموجب إتفاقية سايكس – بيكو قسمت بلاد الشام والعراق الى:
1- المنطقة الزرقاء، وتشمل الساحل السوري من رأس الناقورة إلى قلب الأناضول، وهي من نصيب فرنسا.
2- المنطقة الحمراء، وتشمل بغداد والبصرة وهي من نصيب إنكلترا.
3- المنطقة السمراء، وتشمل فلسطين وتقام فيها إدارة دولية إرضاء لروسيا، ويعين شكلها بالإتفاق مع الحلفاء ومن بينهم روسيا.
4- المنطقة الداخلية، وقد تركت بلا لون، وقسمت الى منطقتين: (أ) و(ب)، على ان تؤلف منها دولة عربية مستقلة أو اتحاد دول عربية، على ان يكون لفرنسا في منطقة (أ) (سوريا الشمالية مع الموصل) ولانكلترا، في المنطقة (ب) (شرق الأردن وبقية العراق) حق الأولوية في المشاريع الإقتصادية والقروض وحق الإنفراد في تقديم المستشارين والموظفين الأجانب... وأن تقيم كل منهما ما ترغب فيه من أنواع الحكم، وتدخل الإسكندرونة في منطقة فرنسا، وحيفا في منطقة إنكلترا مع تبادل المنافع في الميناءين.
بعد مائة عام على اتفاق سايكس – بيكو، ها هي المناطق التي خضعت للتقسيم تعيش حالة من الإحتراب الداخلي، المدعوم من المعسكر الغربي الإستعماري وأعوانه المحليين، ما يهدد حاضر الدول القائمة ومستقبلها.
ويبقى الكيان الصهيوني هو أكبر المستفيدين من الصراعات الدموية التي تشهدها الدول العربية المحيطة بالكيان الغاصب
فهل نحن أمام خارطة جديدة للمنطقة ... ومخطط تقسيمي تحدثت الكثير من مراكز الأبحاث الأمريكية والغربية عن عناوينه واستهدافاته؟.