يشنّ العدو حملة قمع ممنهجة ضد الإعلام الفلسطيني والإعلاميين منذ بداية إنتفاضة القدس. ولتبرير قمعه وملاحقته للإعلاميين، أمام الرأي العام الدولي ومؤسساته، يستخدم من جديد مصطلح "التحريض" الذي يعني فعليا فضح الممارسات الصهيونية بحق الشعب الفلسطيني، وشجبها والدعوة الى مواجهتها. من هذا المنطلق، كل فلسطيني وكل إعلامي يتمسك بحقوق شعبه "محرّض"، إلا القلائل الذين يسكتون عن جرائمه لإرضاء المحتل وأعوانه الدوليين.
فلم يعد الإعلام حكرا على نخبة متمرسة، بعد تطور وسائلها وأدواتها، ولكن تعدّد هذه الوسائل والأدوات وكثرة الأخبار المتدفقة كل ثانية على الجماهير، أخبار متنوعة كتنوع البشر وإهتماماتهم، جعلت من الإعلام ساحة يتحكّم فيها، في النهاية، من يمتلك المال والسلطة، أي الشركات العالمية التي تبث أخبارها وتوجهاتها وتدعم من يلحق بركابها ومن يدعم الهيمنة الصهيونية الغربية. ولكن، وبسبب تعدّد هذه الوسائل وفتح مجال التواصل مع العالم، يظن الكثير أنه أصبح بالإمكان الإستفادة من الأجواء العالمية المنفتحة لطرح قضيتهم بشكل واسع والتأثير على الرأي العام العالمي.
من الناحية النظرية، وبفضل الجهود التي تبذلها بعض وسائل الإعلام الفلسطينية والشباب الإعلامي المناضل، والطاقات التي يختزنها الشعب الفلسطيني، بكل مكوّناته، يستطيع الإعلام والإعلاميون الفلسطينيون كسر الطوق الصهيوني وتشكيل منبرا قويا لإنتفاضة القدس. غير أن الواقع الفلسطيني الداخلي والوضع العربي والإسلامي الراهن يقفان في وجه هذا التوجه، حيث تبدو الإنتفاضة كنقطة في بحر بين الأخبار المتداولة عربيا وعالميا، لا يهتم بمسيرتها وببطولات أفرادها وبمعاناة أهلها إلا من يقصد ذلك.
فلسطينيا، رغم الدعوات الى تبني الإنتفاضة التي تطلقها المنظمات والأحزاب الفلسطينية، لم تبادر هذه المنظمات والأحزاب الى توحيد إعلامها عن الإنتفاضة، على الأقل، وذلك لأن بعضها لا يعترف أصلا بأن ما يحصل من عمليات طعن ودهس وإطلاق نار ومواجهات في القدس وبيت لحم وفي المخيمات، رغم قمع أجهزة السلطة، هو مسيرة متواصلة لنيل الحرية. يتعامل البعض الآخر معها وكأنها ظاهرة مؤقتة لن تستمر طالما لم يتم تأطيرها في هيئة عليا مؤلفة من المنظمات والأحزاب. ولذلك، بقي صوت الإنتفاضة مبعثر ومشتّت، حيث الإعلام الفلسطيني غير قادر على استيعاب سبعة شهور من المواجهات اليومية مع الإحتلال، سقط فيها أكثر من مئتين شهيد وجرح الآلاف من المواطنين، وتم زج في سجون الإحتلال أكثر من 5000 مواطنا، ودمّرت العشرات من المنازل للإنتقام من المقاومين الجدد وعائلاتهم وشعبهم.
بعد الشهور الأولى للإنتفاضة، توقفت المقالات والتحقيقات حول الإنتفاضة الحالية، فلسطينيا وعربيا، وكأنها موجة غضب عابرة، لا تستحق الوقوف عندها ودعمها، على الأقل بالكلمة، رغم فظاعة الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين، من أطفال وشباب ومسنين، في السجون حيث تنتهك الكرامة الإنسانية كل يوم، وفي المسجد الأقصى والقدس، والمناطق الفلسطينية الأخرى. ومن ناحية أخرى، يركّز بعض الإعلام الفلسطيني والعربي على القمع والتنكيل والقتل وتدمير المنازل ومواصلة الاستيطان، في حين لا يهتم برفع صوت المنتفضين الذين يتصدون للصهاينة في كل الساحات الفلسطينية، وكأنها أصوات شاذة لا تعبّر عن مشاعر الكل الفلسطيني.
في عالم الفضائيات والصحف والإذاعات والمواقع الإلكترونية، العربية والإسلامية، الإنتفاضة شبه غائبة، بل يذكر من وقت لآخر سقوط شهيد أو تنقل آخر إحصائية خاصة بالأسرى والمعتقلين. لم تلهم التقارير الأخبارية اليومية عن الإنتفاضة، والتي تجهد لكتابتها بعض الأقلام الشابة في فلسطين المحتلة، أو تبثها فضائيات فلسطينية رغم الحصار المشدّد عليها، إلا قلة من الصحافيين والكتاب والمثقفين العرب لكتابة مقالة أو قصة أو أبيات من الشعر، أو للتفاعل معها ونقلها الى "العالم الحر" الغربي المسؤول عن جرائم الإحتلال.
تفتقد الإنتفاضة الحالية الى إعلامها الخاص والمركز حول مقاوميها ومعتقليها، وحول المخيمات والقرى والمدن التي تدافع عن كرامة الشعب وحريته، والى توحيد أدواتها ومصطلحاتها، وتوحيد جهود هؤلاء الذين يسعون الى رفع رايتها بمجهودهم الفردي، بمتابعة أخبارها ورواية قصص أبطالها. تحتاج الى إعلام ينقل صوتها الى الشعوب العربية والإسلامية، والى الشعوب الحرة في العالم، وتشكل المؤتمرات العالمية التي تلتقي بين الحين والآخر فرص مناسبة، لكي تتجه البوصلة النضالية نحو المواجهة مع الكيان الصهيوني وداعميه، في كل الساحات العالمية، إنطلاقا من دماء الشهداء وعذابات الأسرى.