منذ كانت المقاومة كان الأدب بكل الوانه ظلها الوارف. فالكلمة سلاح، تماما كما الطلقة، تفعل في الوعي، تجذر التوجهات، ترسم معالم الطريق، تفرز الإيجابيات عن السلبيات في التجربة الميدانية فتعزز الأولى وتحذر من الانزلاق والامعان في الثانية. فلكل مقاومة أدبها الخاص من شعر ونثر وقصص وملاحم وقصائد، فالبندقية التي لا ثقافة خلفها تقتل ولا تحرر.
ولقد كان الشعب الفلسطيني من أكثر الشعوب ادراكاً لأهمية الأدب ودوره في مسيرته الجهادية منذ كان الصراع مع الحركة الصهيونية الإستعمارية، فراح يستمد من مخزون التراث الإسلامي قصص البطولة والفداء والحكايات والأغاني والأمثال، العزيمة الصادقة والدوافع القوية لمقارعة الإحتلال ومقاومة المستعمر، وأدرك أن التشبث بهذا الأدب والتمسك به يحفظ الهوية الوطنية والشخصية الفلسطينية في مواجهة الأعداء الذين يحاولون السطو على كل أشكال التراث الوطني الفلسطيني.
وجاءت انتفاضة القدس لتعزز أمله بمواصلة جهاده ضد المشروع الصهيوني الاستعماري الذي يستهدف في حلقاته الراهنة تهويد ما تبقى من ارض فلسطينية، وكل ما هو عربي واسلامي فوق هذه الأرض بدءا بالمسجد الأقصى المبارك.
والسؤال الكبير الذي يطرح نفسه، ما علاقة الانتفاضة بالأدب الشعبي الفلسطيني؟ ويتفرع عن هذا السؤال الكبير أسئلة عديدة: "ما مدى حضور الانتفاضة في الأدب الشعبي الفلسطيني سلبا وايجابياً؟ ما أثر الانتفاضة على موضوعات الأدب الشعبي الفلسطيني وألوانه؟ وكيف بدت الانتفاضة في عيون الشعراء الشعبيين؟ وهل استطاع هذا الأدب أن يواكب شعارات الانتفاضة وأهدافها ويعبر عنها؟".
اندلعت انتفاضة القدس وحركت معها أقلام الشعراء والكتاب والروائيين واخذ كل واحد منهم يصور الانتفاضة من منظوره الخاص فمنهم من رسم ومنهم من كتب الشعر والقصائد ومنهم من صمم بوسترات ومنهم من أنشد وغنى، ومنهم من عكس الإنتفاضة بفيلم وثائقي سجل مشهدا من مشاهد الانتفاضة المميزة، كما هو الحال مع الفيلم الذي يحمل عنوان : من المسافة صفر الذي انتجته وكالة القدس للانباء.
وقد سجل عدد من المثقفين والكتاب مواقفهم بهذا الشأن. فقد اعتبر الروائي أسامة العيسى أن الأحداث التي ينظر إليها البشر ذات قواسم تتعلق بالحرب، والأمل، والحب، والمواجهة، والموت، أرضاً للإنتاج الأدبي والفني، وفيما يخص فلسطين، فإن الأدب تعرض لمنعطف قد يكون الأخطر في مسيرته منذ قرن، بعد العام 1993، مع التوقيع على اتفاق أوسلو.
وأضاف العيسى: "بالنسبة لي المهم كيف يمكن للأديب أن ينظر للأحدث، من أية زوايا مشهدية، وفنية، وبهذا المعنى فإن كل حدث يصلح لأن يكون عملا فنياً. وأشار الى أنه حاول التعبير عن ذلك بقصص صحافية، نشرها في الصحف المحلية، وعلى موقعه على الفيس بوك. ولكن الكتابة السردية تحتاج الى وقت، موضحاً أنه يمتلك خطة للكتابة عن انتفاضة النفق عام 1996 التي غطاها ميدانياَ، ولديه أرشيف مهم عنها، ولكنه لم يكتب شيئاً حتى الآن".
ورأى أن الشعر أسرع استجابة، ورأينا ذلك مثلا في قصيدة محمود درويش عن الطفل محمد الدرة. الهبة، وغيرها من هبات وأحداث، تشكل منفردة ومجتمعة، مادة ثرية لكتابة أدب إنساني عميق..
من جهته، قال الروائي أكرم مسلم "إن انتفاضة القدس ما زالت تتفاعل، وهي محمولة على أكتاف جيل يدفع ثمنها من دمه، وطبيعي أن تكون قصيدته ساخنة الآن، يحتاج الأمر لوقت لنعرف أشياء كثيرة، ويحتاج مبدعو الجيل لمسافة حتى يعيدوا صياغة الأحداث، ربما. سياسياً واجتماعياً، وأوضح أن الانتفاضة جاءت تلبية لاحتياج المقاومة واستمرار لها في وجه جور الاحتلال وقهر الاستيطان، وتعبر عن فطرة وطنية سليمة. قلت "لا تبدو لي"، وكثيراً ما بدت لنا الأمور كغير ما هي عليه، من مواقعنا العمرية والوظيفية والاجتماعية والجغرافية، فكثيرا ما تفاجأ "المكرّسون" بأشياء تحدث تحت مخداتهم.
علينا أن نذكر دائماً أن انتفاضة القدس لم تنته وقد تنفجر معها قلوب المبدعين والمثقفين عند كل حجر وزاوية، فهذه الانتفاضة في نظرهم ولاّدة ومستمرة وديمومتها لا تنته حتى وان انتهت فهي في الأحشاء نار قد تعاود الانفجار مرة تلو الأخرى ولكن باختلاف التسمية، وكل انتفاضة تقربنا حتما من فلسطين كل فلسطين، من القدس وحيفا ويافا وعكا والناصرة وصفد والخليل.