منذ كان الصراع فوق أرض فلسطين، منذ بدايات القرن الماضي مع الإستعمار البريطاني أولاً، والحركة الصهيونية ثانياً، كانت معسكرات الإعتقال وسجون الإحتلال مساكن قصرية لقوافل المجاهدين الذين حملوا راية المقاومة دفاعاً عن أرضهم وذوداً عن كرامة شعبهم وسعيا لانتزاع حريتهم...
ولم تنجح سياسات الإعتقال وشتى صنوف الإرهاب والتعذيب الجسدي والنفسي، التي وصلت إبان الإحتلال البريطاني إلى حد تنفيذ أحكام الإعدام بحق الأسرى والمعتقلين، وفي طليعتهم شهداء سجن عكا: محمد جمجوم وعطا الزير وفؤاد حجازي، في محاولة لوقف الإنتفاضات المتتالية، وضرب روح الثورة المتأججة في نفوس الفلسطينيين... لم تنجح هذه السياسة الإرهابية في وقف المقاومة وثني الشعب الفلسطيني عن مواصلة مسيرته الكفاحية، التي تواصلت مع النكبة وإقامة الكيان الإستعماري الإجلائي الصهيوني في أيار العام 1948 والهزيمة في حزيران العام 1967.
ومع انطلاقة المقاومة الفلسطينية المعاصرة في ستينيات القرن الماضي، تحولت السجون والمعتقلات الصهيونية، من أماكن للتعذيب والقهر وتحطيم إرادة المقاومين، وزرع روح الإحباط واليأس في نفوسهم، إلى مدارس لتخريج الكوادر والقادة الذين أثروا التجربة الكفاحية لحركة التحرير الفلسطينية، وقدموا أمثلة عظيمة في البذل والعطاء والتضحية والصمود والوحدة، والإنتصار على إرادة السجان الصهيوني الذي لم يترك وسيلة تعذيب وقهر واضطهاد إلا واستخدمها ضد المقاومين البواسل.
لماذا 17 نيسان؟
وبالرغم من أن الحركة الأسيرة الفلسطينية تمتد في جذورها الى بدايات الصراع، فإن إحياء يوم الأسير الفلسطيني بدأ في 17 نيسان العام 1974 حيث تم تحرير الأسير الفلسطيني محمود بكر حجازي مقابل تسليم مستوطن صهيوني جرى اختطافه خصيصاً لإجراء عملية التبادل... لتعلن المقاومة معها أن تحرير الأسرى والمعتقلين كمهمة مركزية، لا يتم عبر المناشدات واستجداء المؤسسات الدولية، وإنما عبر عمليات التبادل التي تحتاج إلى عمل جاد ومثابر لأسر جنود العدو أو الإحتفاظ بجثث وأشلاء قتلاه، التي تسقط أثناء المواجهات...
لقد اتبعت حكومات العدو الصهيوني المتعاقبة سياسة الإعتقالات، بكل ما فيها من قهر وتعذيب وإرهاب جسدي ونفسي، من دون تمييز بين الرجال والنساء، بين الكبار والصغار وحتى الأطفال، وذلك بهدف النيل من عزيمة الشعب الفلسطيني وكسر إرادته وإنهاء مقاومته وفرض الإستسلام عليه. فامتلأت السجون والمعتقلات بأعز الناس، دخل وخرج منها عشرات آلاف الأسيرات والأسرى، حتى بات لكل بيت فلسطيني داخل الوطن وخارجه، شهيد أو جريح أو معوق أو أسير.. وكم من أب التقى إبناً، وكم من أخ عانق شقيقاً، وكم من أم أنجبت طفلاً خلف القضبان.
العدو لا يميز بين الرجال والنساء
واليوم تقول إحصائيات هيئات الأسرى انه مع بداية العام 2016 ارتفع عدد الاسرى في سجون الاحتلال على نحو ملحوظ ليصل إلى نحو 7000 أسير، وأن الرقم قابل للإرتفاع في ظل استمرار الإعتقالات، التي باتت تمثل ظاهرة يومية، بخاصة مع اندلاع "إنتفاضة القدس" التي دخلت مطلع شهر نيسان الجاري شهرها السابع.
وجاء في التقارير الصادرة عن تلك الهيئات أن 84,8% من الأسرى هم من أبناء الأراضي المحتلة عام 67، وقرابة 9,5% من القدس ومناطق الداخل الفلسطيني المحتل عام 48، فيما الباقي من قطاع غزة، ويمثلون ما نسبته نحو 5,7%، بينهم 22 مواطناً اعتقلوا خلال الإجتياح البري للمناطق الحدودية جنوب قطاع غزة.
ويتوزع الأسرى على قرابة 18 سجناً ومعتقلاً ومركز توقيف، أبرزها: نفحة، رامون، النقب، عسقلان، عوفر، بئر السبع، هداريم، جلبوع، شطة، مجدو، الرملة، الدامون، هشارون.
وأعادت قوات العدو الصهيوني اعتقال نحو 75 معتقلاً كانوا قد تحرروا في إطار صفقة «شاليط» (وفاء الأحرار) وأعيدت إلى بعض هؤلاء الأحكام السابقة. فيما فرضت أحكام جديدة على البعض الآخر... إضافة إلى «الأسرى القدامى» وعددهم نحو 30 أسيراً، وهم المعتقلون منذ ما قبل اتفاق «أوسلو»، ويقف في مقدمتهم الأسير كريم يونس من أبناء الداخل المحتل عام 48، المعتقل منذ قرابة 33 عاماً. وكان من المفترض ان يتم الافراج عنهم ضمن الدفعة الرابعة أواخر مارس/ آذار من العام 2014، في إطار التفاهمات الثنائية برعاية أميركية، إلا أن حكومة العدو الصهيوني تنصلت من ذلك وأبقتهم في سجونها.
ومن بين إجمالي المعتقلين هناك 477 معتقلاً يقضون أحكاماً بالسجن المؤبد، و19 أسيرة، أقدمهن الأسيرة لينا الجربوني، المعتقلة منذ نحو 14 عاماً، إضافة إلى وجود أكثر من 250 طفلاً تقل أعمارهم عن 18 عاماً، كما أن عدد المعتقلين الإداريين ارتفع على نحو لافت ليتجاوز الـ500 معتقل إداري دون تهمة أو محاكمة.
إضافة إلى ذلك تزج قوات العدو الصهيوني في سجونها ومعتقلاتها 36 نائباً من أعضاء المجلس التشريعي، بالإضافة إلى ثلاثة وزراء سابقين...
للأطفال حصة في سجون العدو
أما الأطفال فبلغ عددهم في سجون العدو "الإسرائيلي" في بداية العام 2016 قرابة (350) طفلاً قاصراً (ما دون سن الـ 18 وفقًا للقوانين الدولية)، يعيشون ظروف القهر في سجون "عوفر" و"مجدو" و"هشارون" وسجن "جفعون" بالرملة التي زجت فيه أطفال من القدس ومناطق 1948.
وهؤلاء الأطفال يتعرضون لما يتعرض له الكبار من قسوة التعذيب والمحاكمات الجائرة، والمعاملة غير الإنسانية، التي تنتهك حقوقهم الأساسية، وتهدد مستقبلهم، بما يخالف قواعد القانون الدولي واتفاقية الطفل.
ويعاني الأطفال الفلسطينيون الأسرى في السجون والمعتقلات "الإسرائيلية" من ظروف احتجاز قاسية وغير إنسانية، تفتقر للحد الأدنى من المعايير الدولية لحقوق الأطفال وحقوق الأسرى. فهم يعانون من نقص الطعام ورداءته، وانعدام النظافة، وانتشار الحشرات، والإكتظاظ، والإحتجاز في غرف لا يتوفر فيها تهوية وإنارة مناسبتين، والإهمال الطبي وانعدام الرعاية الصحية، نقص الملابس، عدم توفر وسائل اللعب والترفيه والتسلية، الإنقطاع عن العالم الخارجي، الحرمان من زيارة الأهالي، عدم توفر مرشدين وأخصائيين نفسيين، الإحتجاز مع البالغين، الإحتجاز مع أطفال جنائيين "إسرائيليين"، الإساءة اللفظية والضرب والعزل والتحرش الجنسي، والعقوبات الجماعية، وتفشي الأمراض.
أكثر من 56 أسيرة في سجون العدو
أما النساء فتعتقل قوات العدو الصهيوني في سجونها حتى العام 2016م حوالي 56 أسيرة، وتعاني الأسيرات الفلسطينيات منذ لحظة اعتقالهن على أيدي قوات العدو "الإسرائيلي" لعمليات الضرب والإهانة والسب والشتم، وتتصاعد عمليات التضييق على الأسيرات حال وصولهن مراكز التحقيق؛ حيث تمارس بحقهن كافة أساليب الضغط، سواء كانت النفسية منها أو الجسدية، كالضرب والحرمان من النوم والشبح لساعات طويلة، والترهيب والترويع، دون مراعاة لجنسهن واحتياجاتهن الخاصة.
ولا تنتهي معاناة الأسيرات عند هذا الحد، بل تستمر عمليات الضغط والترهيب بحقهن حتى بعد انتهاء فترة التحقيق وانتقالهن من أقبية الترهيب إلى غرف التوقيف. حيث تسعى سلطات السجن جاهدة إلى ابتكار السبل لإذلالهن وقمعهن والمساس بكرامتهن، من خلال عمليات اقتحام غرف الأسيرات ليلاً وأثناء نومهن، والحرمان من الإحتياجات الإنسانية الأساسية، كتقديم وجبات طعام سيئة من حيث الكم والنوع، وكذلك الحال حرمان الأسيرات من الحق في العلاج وعدم توفير الأدوية الضرورية، بالإضافة إلى وجود نقص في الفرشات والأغطية، وعدم التمتع بالإنارة الجيدة والكافية، وحجب أشعة الشمس؛ بسبب النوافذ الضيقة المحصنة بالقضبان وغيرها من أدوات الحراسة.
إستشهاد 205 أسرى منذ العام 67
وتستمر قوات العدو في إهمالها علاج ما يقارب من 1500 أسير يعانون أمراضا مختلفة، وعدم تقديم العلاج اللازم إليهم. من هولاء 14 حالة دائمة في مستشفى سجن الرملة، وعشرات يعانون أمراض الإعاقة والشلل والقلب والأورام الخبيثة والسرطانية، منهم خالد الشاويش وناهض الأقرع ومنصور موقدة ورياض العمور ومعتز عبيدو وأيمن طبيش ومحمد براش وغيرهم.
وذكرت التقارير أن 205 من الأسرى استشهدوا في السجون الصهيونية منذ العام 1967 من جراء التعذيب والقتل العمد بعد الإعتقال والإهمال الطبي والإصابة بالرصاص الحي، إضافة إلى عشرات الأسرى الذين استشهدوا بعد تحريرهم بفترات وجيزة من جراء أمراض ورثوها عن السجون بسبب سوء الأوضاع الحياتية وظروف الإحتجاز والإهمال الطبي، أمثال مراد أبو ساكوت وهايل أبو زيد وأشرف أبو ذريع وفايز زيدان وزكريا عيسى وغيرهم.
ويتعرض معظم الأسرى الفلسطينيين لعمليات تعذيب ممنهجة تنفذ بحقهم أثناء الإعتقال، والضرب المبرح بواسطة أعقاب البنادق والأيدي، واستخدام الألفاظ النابية، وإطلاق النار، واستخدام الكلاب البوليسيه، والتهديد والإرهاب النفسي، وحرمانهم من النوم بالتحقيق المتواصل والذي يستمر لأكثر من 22 ساعة يومياً، والتهديد باعتقال الأم والزوجة، والوقوف بشكل متواصل لساعات طويلة.
الأسرى يتوحدون ويواجهون
إن الظروف القاهرة والحياة اللاإنسانية، التي عاشها المعتقلون داخل السجون في ظل شروط حياة بائسة وضغوطات وإجراءات مشددة، دفعتهم إلى الاصطفاف لبناء وجودهم الجماعي والتنظيمي، والدفاع عن حقوقهم، ورفض سياسة إذلالهم واستعبادهم.
فبدأ الأسرى ببناء مؤسساتهم وهياكلهم التنظيمية، ووضع البرامج التنظيمية والفكرية والتعبوية؛ لمواجهة التحديات القائمة في السجون، فبنيت الأطر السياسية داخل السجون على قاعدة الالتزام والوحدة ومحاربة كل أشكال القهر والإذلال، وتطلب ذلك جهداً كبيراً وعملاً دؤوباً، حتى استطاع المعتقلون ومن خلال خطوات نضالية وإضرابات وعصيان أوامر وإجراءات إدارة السجون من الحصول على جزء مهم من حقوقهم الإنسانية والمعيشية.
ويمكن القول أن إضراب سجن عسقلان التاريخي عن الطعام في 11/12/1976م، الذي استمرّ 45 يوماً يعتبر نقلة نوعية في مسيرة الإعتقال نحو تحسين شروط الحياة في المعتقلات، ومظهراً من مظاهر نضوج التجربة، وترسيخ المؤسسة القائدة في السجون، وقد اعتبر الإضراب ملحمة جماعية، وضعت حجر الأساس لنضال الأسرى، المبني على أسس تنظيمية راسخة، ولأول مرة يرافق هذا الإضراب تفاعل شعبي جماهيري خارجي مناصر لمطالب الأسرى المضربين.
الحركة الأسيرة جزء أساسي من حركة التحرير
فالأسرى والمعتقلون جزءٌ لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني، وقطاع أساسي من قطاعات الحركة الوطنية الفلسطينية، فهم من حملوا لواء النضال، وأثبتوا حضوراً منقطع النظير، جنباً إلى جنب مع بقية المناضلين من أبناء الشعب الفلسطيني في كل ساحات العمل، وتقدموا الصفوف، غير آبهين لشيء إلا لاستمرار النضال ودعم مسيرة شعبهم التحررية، وقدموا الغالي والنفيس لتحرير وطنهم ودفاعاً عن كرامة وشرف شعبهم وحقوقه العادلة.
لم يعرف الأسرى سوى الثورة وطنـاً وهويةً في السراء والضراء، وانخرطوا في صفوف النضال في أصعب مراحله، وتركوا عائلاتهم وأطفالهم، وقادوا معارك المقاومة والشرف. وفي الأسر خاضوا معارك الإعتقال بإباء وصمود أسطوريين. ونفذوا عشرات الإضرابات عن الطعام. فكان الألم زادهم والمعاناة شرابهم، حيث سقط العشرات منهم شهداءً من أجل كرامة الإنسان الفلسطيني وحقوقه.
ومن مواقع الألم والمعاناة العميقة، ومن قلب جدران القهر والحرمان طوال سنوات الإعتقال الرهيبة كتبوا بصمودهم فصلاً جديداً في ملحمة الحركة الوطنية الفلسطينية، وسطروا صفحات مشرقة في تاريخ سجناء الحرية في العالم، وأذهلوا قلوب جلاديهم بصلابتهم الوطنية التي يتسلحون بها.
من حقنا أن نفخر بهذا التاريخ، ومن واجبنا أن نسعى لتوثيقه ليبقى منارة للأجيال القادمة، بكل جزيئاته وصوره المختلفة… فمن الواجب علينا أن نوثق التاريخ الرائع والمشرق من شهداء وبطولات وتضحيات، ومن الجانب الآخر، يجب علينا أن نوثق الإنتهاكات "الإسرائيلية" لحقوق الإنسان الفلسطيني الأسير، وما تعرَّض ويتعرض له من ممارسات لا إنسانية، ومعاملة وحشية قاسية، فاقت في لا إنسانيتها ووحشيتها ما لا يتخيله ويتصوره العقل البشري.
ومن حق الأسرى على رفاقهم وإخوانهم في المقاومة استمرار السير على درب الجهاد ونهج المقاومة بكل أشكالها وفي المقدمة منها الكفاح المسلح، والعمل على أسر جنود العدو ومستوطنيه لإجراء عمليات التبادل التي تفتح ابواب الحرية للأسرى والمعتقلين، ليتابعوا رحلة ألف ميل التحرير الكامل والشامل لفلسطين كل فلسطين.