لاقى الفيلم القصير الذي انتجته "وكالة القدس للأنباء" "سرير النار" ردود أفعالٍ من مختلف الأوساط الثقافية والاجتماعية، بعد أن تم تداوله على نطاق واسع، ويسعدنا أن ننشر الآراء التي وردت حول هذا الفيلم بهدف تعميق الحوار وتعزيز التواصل لتقديم الأفضل بما يخدم قضايا وهموم شعبنا ومن هذه الردود ما كتبه محمد التوبة تحت عنوان " فيلم يستحق المشاهدة والمناقشة" وفي ما يلي نصه.
الشاب مهيب موعد موهوب بالفطرة، فهو يستطيع بتلقائية متدفقة أن يرسم صوراً كلامية ساخرة من أوضاع اجتماعية كثيرة حوله، ولا سيما أوضاع الشباب من الجيل الجديد. وهو جيل مظلوم وجد نفسه يتخلى عن الكثير من العادات والتقاليد التي كانت مع الأجداد والآباء وفرضت عليه الظروف أن يتعايش مع مجتمع لا يهدأ عن التغيير الجارف الآتي من الخارج ومن العولمة التي لا يد له فيها وهو فيها مجرد مستهلك. وأحياناً يرسم مهيب بكلماته صوراً هي أقرب ما يكون لقصة الغراب الذي أراد أن يمشي مشية البلبل فلم يفلح، فلا هو بالذي صار بلبلا ولا هو بالذي بقي غراباً.
ومهيب طموح قدم فيلماً قصيراً يناقش قضية واقعية عن أب نراه يصلي ويتضرع إلى الله تعالى أن يشفي ابنه المريض. وبعد الصلاة تخبره زوجته أن الطفل لا يتوجه للشفاء. يخرج الأب عازماً على توفير المال لشراء الدواء فلم يفلح عن طريق العمل ولو بجمع النفايات، ورجاء الأصدقاء، ثم يقصد الأونروا لتحويل الطفل إلى مستشفى مناسب فيفاجأ بالرفض لأن الأونروا خفضت الطبابة، فيخرج الأب غاضباً وأمام الاونروا يحرق نفسه.
وهنا يثور سؤال مشروع: هل قتل النفس حرقا أو بغير الحرق هو الحل للمشكلة؟
وليكون أي أمر صحيحا من الناحية المنطقية يجب أن يكون عاماً، هذا خطأ عقائدي لأن حرق النفس محرم ولأن قتل النفس محرم والمشكلة سوف تتفاقم سيكون عندنا أرملة فهل تحرق نفسها هي أيضا؟ علما أن الأم أقل صبرا وصلابة من الأب، والشاب الذي نراه في بداية الفيلم يصلي نتوسم فيه الإيمان وقوة التوكل على الله تعالى فكيف ينهار بسرعة أمام موت ابنه وهو يؤمن ان الموت حق؟ وسيكون عندنا سابقة سيئة فهل كلما قصرت الأونروا أو المجتمع نحرق أنفسنا؟ أظن أن اليهود المشرفين على الامم المتحدة والأونروا سيرحبون بهذا الإفناء للذات. ما الحل؟ ما مخرج العقدة للدراما التي بناها الفيلم بشكل جيد وتصاعدت إلى أن تم إغلاق المنافذ، وضاقت الدنيا على صدرالوالدين ؟ هناك احتمالات كثيرة:
اولا:
أن يدفن الابن دفنا مهيبا يمشي فيه الناس ثم ترثي الطفلَ امُّه أو ابوه بكلمات مؤثرة، أو احد كبار الناس من العلماء. ويكون في هذا الرثاء اتهام للأونروا وبيان تقصيرها، ثم بيان تقصير من هو الآن المجتمع العربي والإسلامي المقصر والمنظمات غير الحكومية والفصائل الفلسطينية والسلطة الفلسطينية.
ثانيا :
أن يؤدي الدفن المهيب الحزين للطفل إلى الثورة على الحاضر في الأونروا وهي التي تلام أو على الأقل يجري الاعتصام أمامها والخطابة ضدها وضد من أنشأها بجمل مختارة. قال الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري : عجبت لمن لا يجد قوت يومه كيف لا يخرج على الناس شاهرا سيفه؟ وأظن أن خروج الفلسطيني شاهرا سلاحه أو لسانه على الأقل هو حق ويصوب النقد على الاونروا والفصائل والسلطة وهو نقد يعتبر في إطار المحتم نظراً لإهمالها وانصرافها عن خدمة شعبها وتركها المخيمات لقمة سائغة للمرض والفقر والجهل والضياع في العادات والممارسات المشؤومة.
وثالثا :
أن يصل الناس أمام الأونروا ويتهجم الناس على الأونروا ويهاجموا مكاتبها وممثليها ويسقطوا شعار الامم المتحدة الكاذب الذي ترفعه فوقها وحرق شعارها ومعه علم "إسرائيل" والأمم المتحدة والولايات المتحدة وبريطانيا.
ورابعا:
وبعد سنة يصرخ صوت مولود جديد في نفس البيت وهو طفل سليم يستعد لمتابعة المستقبل الفلسطيني، وتعلن القابلة أنه : ولد !!! مع الإشارة لخصوبة المرأة الفلسطينية، والقنبلة السكانية التي كانت تخاف منها غولدا مئير، وما زالت "إسرائيل" تخاف منها.
وخامسا:
غير ذلك من النهايات الممكنة.
المهم التأكيد على أنه لا عدمية في قضيتنا: الانتحار ليس حلا، والخلاص الفردي ليس حلا لأي جزء من القضية الفلسطينية. القضية الفلسطينية حل تتولاه الجماعة ويقوم به العمل التعاوني والمنظم. ولكن لا يمكن قبول هذه العدمية والانتحار.
تمثيل جميل، أقوال مناسبة، إخراج مناسب. طموح مشروع، يستحق التشجيع وننتظر من الشاب الموهوب أعمالاً تتفجر بالتعابير عن مآسي شعبنا، وتفيض بالحماسة والنقد البناء، وتضع أمام المسؤولين وأمام المجتمع الكوارث التي تنزل بشعبنا في الشتات وغيره وتقول للجميع : إنكم مسؤولون .
محمد التوبة/عضو اتحاد الكتاب الفلسطينيين
