تكشف إجراءات ومواقف وتحليلات الخبراء السياسيين والعسكريين والأمنيين في "إسرائيل" مدى حالة القلق والإرباك والعجز في كيان العدو إزاء "انتفاضة القدس"، بعد تصاعد عملياتها مع دخولها الشهر السادس.
فلم يترك العدو وسيلة قمع وإرهاب إلا واستخدمها لكبح جماح هذه الإنتفاضة دون جدوى، فنصب الحواجز الحديدية وأقام الأبراج، وأشاد الجدران، وغرس كاميرات مراقبة في كل الأرجاء، وقطع الأشجار ونشر الجنود و"المستعربين" وأطلق العنان لقطعان المستوطنين للحد من العمليات لكنه مني بالفشل.
هذا الواقع جعل السياسيين والعسكريين والأمنيين في كيان العدو في حالة هلع وهستيريا، ما دفعهم إلى وضع خطط، وإقامة ندوات وعقد مؤتمرات، ولقاءات مفتوحة بحثاً عن حل.
وقد أقر رئيس أركان جيش العدو، غادي إيزنكوت بالفشل العملي في وقف عمليات الطعن والدهس التي ينفذها الشباب الفلسطيني، مؤكداً أن "هذه العمليات ستستمر"، محذراً الحكومة من "إقرار خطوات عقابية جماعية، مثل فرض الطوق الأمني أو الحصار على المدن والبلدات الفلسطينية، أو منع العمال الفلسطينيين من العمل داخل إسرائيل".
واعتبر رئيس "حزب العمل" وزعيم المعارضة (المعسكر الصهيوني) إسحق هرتسوغ، أننا "في ذروة الإنتفاضة الثالثة، وإذا واصلنا التنكر للحقيقة فمن شأن هذه الإنتفاضة أن تصبح أكثر وحشية من سابقتها".
واقترح هرتسوغ "الإنفصال عن الفلسطينيين وبأسرع قدر ممكن، وسنقيم سوراً كبيراً بيننا، هذا هو التعايش الممكن الآن"...
داعياً إلى تنفيذ خطة تهدئة من خلال خطوات بناء الثقة، سيكون حظ الفلسطينيين عمل كل شيء من ناحية مدنية وليس عسكرية، يمكنهم أن يقيموا مدناً جديدة، يوسعوا مدناً قائمة، يطوروا الزراعة والصناعة والعمالة.
واعترف رئيس حزب "يوجد مستقبل" يئير لبيد، أنه لم يسبق لكيانه أن كان بوضع "أسوأ مما هو عليه الآن".
ونتيجة تنامي الهجمات وطعن الجنود، أصدر إيزنكوت، أمراً ألزم فيه جنود الوحدات القتالية على حمل السلاح أثناء إجازاتهم.
فيما رأى وزير الخارجية السابق أفيغدور ليبرمان، أن الحل يمكن، أن يكون بالعودة "إلى الإغتيالات وطرد عائلات الشهداء إلى قطاع غزة، وتشديد العقوبات على الفلسطينيين الذين يتم
اعتقالهم، ووقف نقل جثث الشهداء وإعلان حالة الطوارئ".
غير أن أجهزة استخبارات العدو توصلت إلى قناعة بعد دراسة تقاريرها، إلى أن أفق هذه الإنتفاضة مفتوح، واتساع المواجهات أمر مفروغ منه، لذا "فإن الوضع شائك ومعقد جداً".
ولكن رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو المأزوم، يحاول أن يتبع أسلوب المكابرة، ويغرس رأسه في رمال الأزمة، داعياً إلى استخدام مزيد من القوة لضرب "انتفاضة القدس"، ويحاول أن يواجه منتقدي سياسته بنوع من التهرب، والإختباء وراء تهم وادعاءات فارغة.
واعترف الناطق باسم التجمع الإستيطاني "غوش عتصيون" يهودا شافيرا، "أن كل الإجراءات الأمنية لا تحول دون وقوع عمليات 100%".
معتبراً أن العلاج النهائي يتمثل "في توفير الردع والتعامل مع موجات التحريض، وإلا لن يكون منطقياً أن تحاط "إسرائيل" بالجدران الأمنية خشية العمليات الفلسطينية".
وفي تجاهل للممارسات الإرهابية، والإجراءات التعسفية اليومية، والحصار والضغط والتوسع الإستيطاني، وما جنته أيدي العدو عبر عشرات السنين من الإحتلال، يتساءل رئيس التجمع الإستيطاني "بيت أرييه" بالضفة، أفي ناعييم "عن كيفية وصول المجتمع الفلسطيني إلى مرحلة يندفع فيها أبناء من أعمار 13 عاماً، ليأخذوا السكاكين ويخرجوا لقتل اليهود، في ظل قناعاتهم بأنهم سيقتلون".
هذه بعض عينات من المواقف والرؤى الصهيونية للواقع الذي فرضته "انتفاضة القدس"... لقد استطاعت هذه الإنتفاضة أن تقلب الطاولة وتخلط الأوراق من جديد، وتعيد القضية الفلسطينية إلى الواجهة، رغم كل حملات التضليل والتشويه، ومحاولات فرض أمر واقع سيء ومذل بالقوة والتآمر، ورغم الظروف الإقليمية والدولية الغارقة في وحول الأزمات.
"إنتفاضة القدس" ثبتت المعادلة القائلة بأن المقاومة وحدها قادرة على تصويب المسار، وتوفير الحل الصحيح للشعب الفلسطيني، ولو أمعنا النظر بالتقارير والدراسات الصهيونية الأخيرة التي أكدت أن مثل هذه الإنتفاضة لو انطلقت منذ سنوات خلت، لما كان هناك استيطان، ولما تجرأ مستوطن على أن يبقى في الأرض المحتلة، لو أمعنا النظر بذلك لأدركنا كم هو فعل وأهمية هذه الإنتفاضة، وما حملته من أبعاد على الصعد: الأمنية والسياسية والإجتماعية والإقتصادية وغيرها. فها هو شباب وشابات فلسطين يعيدون تصويب البوصلة نحو وجهتها الصحيحة.