خُيّل للعدو "الإسرائيلي" الذي يضخ رؤيته الخاصة ومفاهيمه من خلال إعلامه بالعبرية الذي يترجم للعربية حسب ما يشاء إيصاله لنا، أننا سنبقى مكتوفي الأيدي، ونجهل ما يدور في الشارع "الإسرائيلي" مغمضين أعيننا.
لكن أطفال وشباب قطاع غزة يفاجئون العدو باهتمامات جديدة على الشارع الفلسطيني تبرز من خلال تعلمهم اللغة العبرية، ومتابعتهم لكل منشوراتهم الأدبية، والعلمية، والإعلامية بهذه اللغة، فهم لم ينسوا كما ظن العدو عندما قال قادته: "الكبار يموتون والصغار ينسون".. في التقرير التالي استعراض لتجربة اثنين من الأطفال في تعلم العبرية:
مفتاح المعرفة
"نحن كفلسطينيين ملزمون بالتعامل مع العدو طالما هو مفروض علينا، وهذا التعامل أيا كان شكله يتطلب منّا إدراكا تاما بكل خبايا العدو من خلال لغته العبرية".. هذا ما أكده طلاب مركز "نفحة لدراسات الأسرى والشؤون الإسرائيلية".
تتساءل هبة أبو شنب (16عاماً): "كيف يمكنني مواجهة هذا العدو دون أن أعرف كيف يفكر وماذا يقرأ وماذا يبث في إعلامه وبماذا يهتم! والمفتاح لمعرفة كل ذلك هو تعلم لغته".
ولأن التعلم في الصِغر كالنقش على الحجر، تقول أبو شنب: "أن تتعلم أي شيء في صِغرك أفضل بكثير من تعلمه عندما تكبر، لسهولة حفظه وتخزينه في الصغر، وهذا هو الوقت المناسب لي لدراسة اللغة العبرية، ففي المستقبل أمامي اهتمامات أكبر وأكثر عمقاً، وحتى يصبح لديّ قدرة على التأثير يستوجب ذلك معرفتي لغة العدو، ويمكنني في مرحلة من المراحل مخاطبة الشارع "الإسرائيلي"، هذا المكان الذي يتوقعون أننا لا يمكننا الوصول إليه، بل على العكس تمامًا فبإتقاننا للغة نصل لعمق العدو".
كان الأمر في البداية مجرد تجربة رغبت بخوضها، ولم تتوقع أن تواصل تعلم العبرية مستقبلًا، لكن عندما درستها اكتشفت أن هذه اللغة أسهل مما تتوقع بكثير، إذ توضح: "أنا أعتبر نفسي إنساناً منتجاً بتعلمي للغة العبرية، فالمدرسة فيها نوع من الروتين الذي حاولت كسره بتعلم العبرية، وخصصت لذلك جزءاً من يومي، فمهمتنا في الحياة ليست المدرسة فحسب إنما علينا أن نعمق رؤيتنا للأمور بدرجة أكبر".
مشروع أصغر مدرب
أما "محمد الحليمي" (12 عامًا) فلا يجد مبرراً لتأجيل دراسته للعبرية: "عندما تعرفت على الفليت اعتبرت أن هذه فرصة عليّ اقتناصها لتعلم العبرية، فقد كنت شاركت في مسابقة لمشاريع ريادية مع شركة (مايكروسوفت) لاهتماماتي بأمور الحاسوب والبرمجة، وسافرت حينها إلى الضِفة الغربية، ولأن المسابقة دولية كان فيها مشاركون يهود، وصَعُب علينا التواصل لعدم فهمنا لغتهم، فلمّا تجلّت فرصة تعلم اللغة أمامي قررت استغلالها".
"حلمي إنشاء وكالة أنباء باللغة العبرية، نبث من خلالها رسائل ومضامين موجهة للمجتمع "الإسرائيلي"، وننشر عبرها ثقافتنا الفلسطينية".. هذا هو ما يطمح إليه الحليمي الذي يُعد أصغر مهتم باللغة العبرية في قطاع غزة ويتابع الصحف العبرية بشكلٍ دائم.
وأوضح أنه لم يُواجه أية صعوبات خلال دراسته، ويعزو ذلك لتعلمه إياها خطوة خطوة ابتداءً من الحروف إلى المحادثة، والكتابة ، آملاً أن يفتح له تعلم العبرية آفاقاً جديدة في المستقبل، فيمكنه من خلالها العمل كمترجم أو يخوض غمار الصحافة.
ويشير إلى أنه لم يجد أي معارضة من أسرته في تعلّمه لغة جديدة لا سيما العبرية قائلًا: "الأهل كانوا يحثونني دومًا على المواصلة، والوالد شجعني بصورة كبيرة كونه يحتفظ بخلفية معلوماتية قديمة عن العبرية، فكانوا لي خير داعم".
لؤي الحليمي، والد محمد، يقول إن صغيره هو مَن بادر لتعلم العبرية ويثني عليه قائلًا: "أجد من الأهمية بمكان أن يتعلم ابني هذه اللغة، فهي ستعود عليه بالفائدة، وستعرفه بالكيفية التي يفكر بها المحتل بكل أطيافه المجتمعية من أطفاله إلى شبابه إلى قياداته، فيصبح لديه نظرة تحليلية نحو الأحداث، ولا يكون مجرد ناقل لها فحسب، ويغدو واسع الاطلاع على كل خبايا العدو".
مدير مركز نفحة، أحمد الفليت، يشيد بأداء الحليمي وأبو شنب قائلًا: "هما من أكثر الطلاب تميزًا، وهما نابغان بصورة ملحوظة في تعلم اللغة، ومحمد من أول الملتحقين بالمركز لتعلم العبرية، وهو مشروع أصغر مدرب لغة عبرية في قطاع غزة".
ويؤكد الفليت: "لن ننتظر حتى تقر وزارة التربية والتعليم مساق اللغة العبرية ضمن المناهج الدراسية، فنحن نقدمه لكل المهتمين بشكل سلس يسهل تعلمه ودراسته، وليعلم العدو أن ما يقدمه لكل فئات مجتمعه نحن ندرسه، ونَعيه، ونحلله بدراية، ومعرفة تامة".