أصدرت المحكمة العليا الصهيونية قبل أسبوعين قرارها النهائي بشأن تهجير أهالي قرية عتير/أم الحيران بالنقب المحتل، لإقامة مكانها مستوطنة "حيران" وأحراش يديرها "الصندوق القومي اليهودي". تمثل قصة قرية عتير/أم الحيران النموذج الأكثر وضوحا لسياسة التهجير والاقتلاع التي تمارسها دولة العدو إزاء الشعب الفلسطيني منذ 1948، كما تمثل سياسة "الإقامة المؤقتة" التي تنتهجها عند الضرورة، نتيجة الضغوطات والنضالات المتواصلة للجماهير الفلسطينية، في الداخل المحتل عام 1948 كما في كافة المناطق المحتلة.
تقع قرية عتير / أم الحيران في منطقة وادي عتير شمال شرق بلدة حورة. يقطنها أبناء عشيرة أبو القيعان، البالغ عددهم قرابة الألف نسمة. تنقسم القرية الى منطقتين : عتير وأم الحيران. ولكن هذه القرية مستحدثة، إذ كانت العشيرة تعيش في قرية الزبالة قبل تهجيرها عام 1948 الى منطقة اللقية، من أجل توسيع أراضي مستوطنة "شوفال" التي أقيمت في 1946، شمال غرب بئر السبع. ثم تم تهجير أهلها عدة مرات بين 1948 و1957. خلال هذه الفترة، ألحّ أهل قرية الزبالة للعودة الى قريتهم الأصلية التي ابتلعتها مستوطنة "شوفال"، كما تدلّ الرسائل الرسمية المبعوثة الى سلطات الإحتلال، التي تؤكد على أن أبناءها لم يتخلوا عن قريتهم وأرزاقهم، طول فترة تنقلاتهم القسرية.
بعد الرفض القاطع لإعادة أهل الزبالة الى قريتهم، صدر قرار في 1956 عن المؤسسة الصهيونية بتأجير قطعة أرض مساحتها 7000 دونم في وادي عتير، تحت ضغط الحاكم العسكري في ذلك الوقت، الذي أراد كسب ولاء العشيرة. كانت الأرض صحراء، كما يفيد الشيخ خليل فرهود أبو القيعان، "بلا طرق ولا ماء.. لقد عانت العشيرة، الحياة كانت شاقة.. طوّر السكان المكان حتى باتت قرية جميلة ورائعة". توضّح الوثيقة السرية الصادرة عن "مكتب رئيس الحكومة، دائرة المستشار لشؤون العرب" في 18 آب 1957، والتي تعترف بتأجير أراض في وادي عتير، أن "هدفنا هو إعادة تركيزهم من جديد تحت رعاية رئيس قبيلتهم سلمان الهزّيل للتمكن من مراقبة أعمالهم أمنيا بطريقة ناجعة".
ولكن بعد العام 1963، بدأت سلطات الاحتلال "تستعيد" أجزاء من الأراضي، بحجة تحريش المكان تحت رعاية "الصندوق القومي اليهودي"، وأصبحت الأراضي المزروعة أحراشا حيث منع الأهالي من الإقتراب منها. وفي الثمانينات، فسخت "دائرة أراضي إسرائيل" عقد إيجار الأرض ولم تعترف سلطات الإحتلال بالقرية، وبالتالي، لم يتم ربط القرية بشبكة المياه والكهرباء والصرف الصحي. فقرية عتير التي تم إنشاؤها بقرار عسكري صهيوني لمنع الأهل من العودة الى قريتهم الأصلية، ظلت غير موجودة بنظر سلطات الإحتلال. إلا أنها لم تتخذ أي خطوة في هذا الشأن قبل الألفية الثانية، مع بداية خطة تهويد النقب، حيث بدأت حملة تدميرية شعواء ضد القرى غير المعترف بها، ومنها قرية عتير/أم الحيران.
في آب 2001، اعتبرت القرية من قبل "دائرة أراضي اسرئيل" "عقبة خاصة" لإقامة مستوطنات، ولم يشار الى وجودها على الخارطة الهيكلية للواء الجنوب التي صدرت عام 2002 ولا في الأعوام التالية. ظلت قرية عتير/أم حيران غير مرئية، ما حث أهلها على المطالبة بالإعتراف بوجودها وأخذها بعين الأعتبار في المخططات القادمة. فجاء ردّ المؤسسة الصهيونية مقترحة الانتقال مرة أخرى الى بلدة حورة، إحدى البلدات التي أقامها العدو لتجميع و"تركيز البدو".
باعتبار القرية غير معترف بها، أصبحت كافة المنازل غير "قانونية" بنظر الاحتلال، الذي استصدر في العام 2003 أوامر هدمها من محكمة بئر السبع. تدعي دولة الاحتلال أنها "اكتشفت" هذه المنازل "غير القانونية في إحدى جولات المراقبة التي أقامتها في شهر تموز عام 2003"، أي إنها تنكّرت للاتفاق مع شيخ العشيرة في 1956 أو اعتبرت أنه يمكن للبشر أن يقيموا في مكان لمدة 50 سنة دون بناء منازل لهم وزراعة أرضهم.
يستخلص من قضية قرية عتير/أم الحيران أن المؤسسة الصهيونية ما زالت متمسكة بمشروع إقتلاع الفلسطيني عن أرضه، وأنها لا تعترف بوجوده، وإن أبرمت اتفاقيات مع بعض ممثليه، على مستويات مختلفة. فالإتفاقيات مؤقتة، لحين تتغير الظروف، كما أثبتت تجربة إتفاقيات أوسلو، وإن كانت تحت الرعاية الدولية. كما يمكن استخلاص من قضية قرية عتير/أم الحيران أن أي تنازل فلسطيني أو عربي للعدو يُعدّ من قبله تنازلا نهائيا في حين لا يعتبر بالمقابل أن "تنازلاته" نهائية. وفي هذا الخصوص، يجب الإشارة الى أن أبناء عشيرة أبو القيعان لم يتنازلوا عن حقهم بأراضيهم في قرية الزبالة التي احتلتها مستوطنة "شوفال"، فاستمروا بالمطالبة باسترجاعها عبر المحاكم الصهيونية، رغم معركتهم الجارية للبقاء في قرية عتير/أم الحيران.
قد يضطر العدو، بين الحين والآخر، الى التراجع عن مخططه الأصلي، وهو إقتلاع الشعب الفلسطيني بالكامل عن أرضه، بسبب مقاومة أبناء فلسطين، في القرى أو المدن والمناطق، التي تفضح سياسته الإستعمارية. ولكنه يحاول أن يتأقلم مع هذا التراجع لحين، بإدخال بنود أو معطيات ليست لصالح الفلسطينيين، تسمح له بالعودة الى مخططه الأصلي، عندما تهدأ ضغوطات الحركات الشعبية. ومن هذا المنطلق، يتم تأجير الأراضي لأهل البلد الأصليين، كما هو الحال في قرية عين حوض، في جبل الكرمل، جنوب حيفا، حيث أقام كيان العدو مستعمرة "عين هود" على أراضيها، وسمح لبعض عائلاتها التي ناضلت من أجل العودة اليها، من استئجار قطع من أرضهم. وإن تم الإعتراف بها في الآونة الأخيرة، تقع القرية العربية ضمن مجلس إقليمي يهودي يحدّ من تطورها ومن الإستفادة من مشاريع الصهاينة الإنمائية. تبقى الأمثلة كثيرة للدلالة على ضرورة ممارسة الضغط المستمر على العدو ومواصلة المقاومة لمنعه من العودة عن تراجعه، لكي يصبح هذا التراجع الذي أراده مؤقتا تراجعا دائما ومستمرا.