ثارت ثائرة قادة الكيان الصهيوني لتهديد وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس بالاعتراف بالدولة الفلسطينية إذا فشلت مبادرة لإطلاق مفاوضات «تسوية»، تنوي باريس استضافتها على أراضيها من دون تحديد تاريخ بعينه.
ولأن التصريح قابل للتأويل، فقد اعتبره بنيامين نتنياهو ذريعة تقدم للفلسطينيين لقبول المفاوضات، بينما توالت ردود الفعل الرافضة من جانب أطراف من اليمين واليسار داخل كيان الاحتلال، كما جاءت ردود فعل منزعجة من الولايات المتحدة.
بوضع المواقف في إطارها، لا يشكل تصريح فابيوس أي قيمة سياسية ناجعة باستثناء تعمده تحريك المياه الراكدة في القضية الفلسطينية، وبهدف كسب نقاط لحضور باريس في هذا الملف، بعد أن تراجع دورها في ملفات أخرى وتحت إدارة فابيوس ذاته.
وإذا كان الاعتراف بالدولة الفلسطينية واجباً أخلاقياً وسياسياً من وجهة النظر الفرنسية، فبإمكانها الاعتراف مسبقاً لأن ذلك ربما يدفع كيان الاحتلال إلى الامتثال للدعوات الدولية بإنهاء احتلاله للأراضي الفلسطينية والانخراط في مفاوضات جادة في سبيل تحقيق ذلك، أما ربط الاعتراف بالدولة الفلسطينية بفشل مبادرة سياسية قد يستغرق تفاعلها عشرين عاماً، فليس موقفاً جدياً ولا يتجاوز أن يكون إيهاماً بالوقوف مع الجانب الفلسطيني، وتصريحاً رمزياً لا يغير في الواقع شيئاً.
وبالمقابل، يبدو أن الكيان الصهيوني لا يستسيغ حتى التصريحات «المازحة» بشأن الدولة الفلسطينية، لا سيما حين تصدر من قوى غربية، ففي هذه الأثناء تشن الأدوات الصهيونية حملة شرسة على فابيوس ربما لدفعه إلى «الاعتذار»، وأيضاً لترويع أي مسؤول غربي آخر قد يفكر في التجرؤ والحديث عن الحقوق الفلسطينية أو المس بـ «إسرائيل»، خصوصاً أن استهداف فابيوس يأتي بالتوازي مع حملة أكثر ضراوة يتعرض لها الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، لإقدامه على انتقاد جرائم الاحتلال والإعدامات الميدانية لنشطاء «هبّة الأقصى» وتبرير ردود الفعل الفلسطينية على تلك الجرائم، وقد وصل الأمر بنتنياهو إلى اتهام بان كي مون بأنه يشجع «الإرهاب الفلسطيني»، ويتضح أن نتنياهو ومن وراءه يمارسون إرهاباً فعلياً ضد كل الأصوات التي لا تتساوق نبراتها مع المشروع الصهيوني الغاصب لكل فلسطين.
حين يتم جمع تصريح فابيوس إلى جرأة بان كي مون، يمكن الاستنتاج أن توالي مثل هذه التصريحات، بقطع النظر عن نواياها، تعد مكسباً للقضية الفلسطينية، ولسلطة الرئيس محمود عباس الحق في الترحيب بها واعتبارها نصراً سياسياً، لو تستطيع استثمارها في الاتجاه الصحيح مع الأخذ في الاعتبار مؤشرات تعاطف الرأي الغربي مع الفلسطينيين، خصوصاً في الأشهر الأخيرة بعدما تسابقت البرلمانات الأوروبية على الاعتراف بالدولة الفلسطينية رمزياً.
ورغم حالة الشك المسيطرة على مشاعر كثير من المراقبين، فإن بوادر صحوة دولية حيال القضية الفلسطينية. ولو يتم حلحلة الموقف الأوروبي وتوحده على موقف ثابت يدعم باتجاه تمكين الشعب الفلسطيني من إقامة دولته، ولا شك أن الوزن السياسي الكبير للاتحاد الأوروبي حين ينضم إلى المواقف المبدئية لروسيا والصين الداعية إلى «تسوية» على أساس قرارات الأمم المتحدة، فيمكن آنذاك أن يحدث فارق في الميزان الدولي تجاه الصراع بين الفلسطينيين وغاصب أراضيهم وحقوقهم، وهو وضع لن تستطيع القوى الداعمة للكيان الصهيوني، وربما الولايات المتحدة وحدها، أن تقاوم طويلاً الانتصار للشرعية الدولية. وحتى إذا كان أغلب المتابعين العرب لا يصدقون في الوقت الحالي مثل هذا الانقلاب الدولي لصالح فلسطين، فإنه منعرج قادم لا محالة، والليل الذي خيّم طويلاً على الفلسطينيين لا بد أن ينجلي يوماً، وتلك سُنّةٌ تاريخية وليست أمنية لا تتحقق أبداً.
الخليج الإماراتية