بعد أسبوعين على تأكيد الرئيس، محمود عباس، أن القيادة الفلسطينية ماضية بتنفيذ قرارات المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية القاضية بتحديد العلاقة مع الاحتلال "الإسرائيلي" ووقف التنسيق الأمني، تأتي تصريحات رئيس جهاز الاستخبارات الفلسطيني ماجد فرج، لتقوّض كل التصريحات والخطابات السياسية حول الأمر، وتؤكد أن أجهزة الأمن الفلسطينية أحبطت 200 عملية ضد الاحتلال "الإسرائيلي"، واعتقلت 100 فلسطيني على الأقل، على خلفية مقاومتهم الاحتلال في الضفة الغربية المحتلة، منذ مطلع تشرين الأول الماضي.
تصريحات فرج جاءت في مقابلة مطولة أعدتها مجلة " Defense News" الأسبوعية الأميركية. وهي تؤكد ان التنسيق الامني بين أجهزة الأمن الفلسطينية و"الإسرائيلية"، أنه في أفضل حالاته بل وتضاعفت وتيرته، على عكس ما تصرح به القيادة الفلسطينية يومياً، بأنّها مقبلة على قطع التنسيق الأمني، استجابة لقرارت المجلس المركزي.
وترى أوساط فلسطينية وفق ما جاء في صحيفة "العربي الجديد" اللندنية أن تصريحات فرج النادرة لا تعتبر صدمة للفلسطينيين الذين يلمسون يومياً نتائج التنسيق الأمني بين الأجهزة الفلسطينية و"الإسرائيلية"، من تبادل للمعلومات واعتقال للمقاومين، مروراً بمنع السلطة الفلسطينية للمتظاهرين الفلسطينيين من الوصول إلى نقاط التماس مع الاحتلال للاشتباك معهم، كما حصل أكثر من مرة عند المدخل الشمالي لمحافظة رام الله والبيرة المعروف بمدخل بيت إيل. وتكفل عناصر الأمن الفلسطيني، تارة وهم يرتدون "ثياب النوم"، وتارة أخرى بالزي الرسمي، بقمع المتظاهرين.
من جهة ثانية، ترى أوساط أخرى من السياسيين والمحللين أن القيادة الفلسطينية لن تجرؤ على تنفيذ قرارات المجلس المركزي، بل إنها لا تملك أي خيارات أو حلول سياسية للمأزق الذي وقعت فيه أمام شعبها بسبب التعنت "الإٍسرائيلي" الذي يزيد من عجزها يومياً. وتعتبر أن جلّ ما تفعله القيادة الفلسطينية الحالية هو إعادة تدوير للخيارات السياسية التي استنفدتها في العامين الماضيين من جهود دبلوماسية وكسب المزيد من الاعترافات الدولية، والذهاب إلى مجلس الأمن الدولي عبر مصر هذا العام، بعدما فشلت في انتزاع قرار بإنهاء الاحتلال من مجلس الأمن الذي توجهت له عبر الأردن في نهاية العام 2014.
وتؤكد هذه الأوساط أن القيادة الفلسطينية تحاول شراء الوقت على أمل أن يحدث تغيير في الموقف "الإسرائيلي" نتيجة المتغيرات الدولية والإقليمية، وأن يقبل الاحتلال العودة إلى المفاوضات للخروج من مرحلة الجمود الحالية، وبالتالي تعود القيادة للمفاوضات مرة ثانية بشكل مبرر...
ولعل تصريحات فرج تؤكد ذلك بقوله، إن "التنسيق الأمني مع إسرائيل يشكّل الجسر الذي يديم حضور الظروف الملائمة لكلا الطرفين، إلى أن تتهيأ الظروف المناسبة بين السياسيين من الطرفين للعودة إلى مفاوضات جدّية".
وبناء عليه، فإن بيان مجلس وزراء (رام الله) الذي صدر، الثلاثاء الماضي، يؤكد أن الحديث مع "الإسرائيليين" لكسر الجمود في عملية السلام لم ينقطع حتى على مستوى وزير المالية والتخطيط الفلسطيني، شكري بشارة، الذي ليس من المفترض أن يقوم بدور سياسي في هذا الإطار.
وجاء في بيان مجلس الوزراء، أن بشارة أطلع أعضاء المجلس على نتائج اجتماعه ورئيس الهيئة العامة للشؤون المدنية حسين الشيخ مع وزير المالية "الإسرائيلي"، ويضيف أنه ناقش الجمود في عملية السلام جراء استمرار "إسرائيل" في مشاريعها الاستيطانية ورفضها تنفيذ الاتفاقيات الانتقالية ومواصلة سلطات الاحتلال ارتكاب جرائمها ضد الشعب الفلسطيني، وأنه طالب الوزير "الإسرائيلي" بـ"ضرورة معالجة كافة الملفات التجارية والاقتصادية العالقة، منذ سنوات تماطل إسرائيل في إيجاد الحلول لها، والتي تساهم في التخفيف من معاناة المواطن الفلسطيني، واسترداد جزء كبير من أموالنا لدى الجانب الإسرائيلي"، بحسب ما جاء في البيان.
ورغم تصريحات وتحركات رجال السلطة تجاه العدو، فان أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، صائب عريقات، يصر مجددا على أنّهم يستعدون "لتنفيذ قرارات المجلس المركزي، والآليات جاهزة والقرارات اتخذت بشكل كامل، وستذهب نحو تحديد العلاقة مع الاحتلال الإسرائيلي...".
وحول سبب عرقلة القيادة الفلسطينية هبّة الغضب، بدلاً من قيادتها، يجيب عريقات، إن "القيادة مسؤولة عن كل الشعب الفلسطيني، وإذا كانت المسألة لديكم تسجيل النقاط فقط، وحول إذا ما كان الرئيس، محمود عباس، هو من يقود الجماهير في الشارع، واضح أن الإجابة: لا، لكن الرئيس خياره مع شعبه".
من جهة ثانية، يرى أعضاء في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، أن ما تقوم به القيادة الفلسطينية ليس أكثر من مناوشة للاحتلال لن يصل للمجابهة الكاملة، وهو ما يؤكده عضوا اللجنة التنفيذية عن "الجبهة الشعبية" عبد الرحيم ملوح، وعن "الجبهة الديمقراطية" قيس عبدالكريم، في حلقة دراسية في رام الله نهاية العام الماضي، بقولهما، إن "القيادة تقوم بمناوشة الاحتلال. وليس هناك قرار بالمجابهة الفعلية". غير أن عريقات يؤكّد بدوره: "قد يكون في وجاهة بالطرح أننا تأخرنا، لكن القرارات جاهزة للتنفيذ".
من جهته، يرى عضو اللجنة المركزية لحركة "فتح" والمفاوض المستقيل محمد أشتية، أن "القيادة الفلسطينية أعطت كل الوقت اللازم لجميع الأطراف الدولية، ولم تقم الأخيرة بأي بشيء حتى الآن، لذلك يجب تنفيذ قرارات المجلس المركزي".
ويضيف "لا نريد هدم السلطة ولا نريد الاستمرار في الوضع الراهن كما هو، يبقى الحل في تغيير وظيفة السلطة من سلطة خدمات بالأمر الواقع إلى سلطة رافعة للمشروع الوطني لإنهاء الاحتلال، وهذا الطرح قابل للتنفيذ وهناك تقبل كبير له من القيادة".