تساءل "الإسرائيلي" جابريئيل شتيرمان، الذي اعتبر نتنياهو «خطراً وجودياً على إسرائيل: متى سنصحو ونقول الحقيقة في هذا الوقت الصعب»؟
وذلك قبل احتدام حملة «نحطم الصمت». وهي منظمة خدم ويخدم أعضاؤها في الجيش "الإسرائيلي". وقد رأت صحيفة "هأرتس" أن هذه المنظمة «حيوية للمجتمع الإسرائيلي لأنها تصر على أن تذكر وتصف مظالم الاحتلال وانعدام الأخلاقية والانتهاكات الكامنة في أعمال جنود الجيش الإسرائيلي في المناطق».
ولكن هذه المنظمة باتت تعرف كمعاونة للعنف، مثلما تعتبر منظمة "بتسيلم" التي توثق أعمال المس بالفلسطينيين من قبل "الإسرائيليين" ومخالفات الحكومة "الإسرائيلية" بحقهم، منذ زمن بعيد منظمة "خيانية". وكذلك جمعيات لحقوق الإنسان، "إسرائيلية" وعربية، تعتبر في الجمهور كزائدة في أفضل الأحوال وكمتآمرة على وجود دولة "اسرائيل" في الاحوال الدارجة.
إن الانتقاد الذي يطلقه مسؤولون في القيادة "الاسرائيلية"، كوزير الدفاع، الذي وصف أعمال "نحطم الصمت" كحملة "مغرضة"، قرار وزير التعليم حظّر نشاط المنظمة في المدارس، أو العمل الذي لا يكل ولا يمل من جانب وزيرة العدل آييلت شكيد لتشريع قوانين تقيّد خطى منظمات حقوق الإنسان، تحمل طابع حملة التطهير. هذه الحملة تترافق والتشهير، الذي تشعله الشبكات الاجتماعية ويمتطي موجته أيضا افراد يركبون بالمجان على أكتافها كالنائب يوآف كيش من "الليكود" مع قانون «المغروسون« والمنظمة اليمينية المتطرفة "ان شئتم" التي نشرت إعلاناً ليس سوى قدوة تحريض.
ذروة حملة التشهير وصلت إلى رئيس الدولة "الإسرائيلي"، الذي كان يعتبر حتى وقت قصير مضى، "غير هام بما يكفي لقتله" كما وصفت دانييلا فايس، وأصبح الشخصية الأكثر تهديداً على أمن الدولة وسمعتها الطيبة. كل هذا بسبب مشاركته في مؤتمر "هآرتس" في نيويورك والذي حضره مندوب عن "نحطم الصمت". فاذا كان دم ريفلين مباحاً، فما بالك بدماء أعضاء المنظمات التي تقف كالسور الأخير لحماية القيم الأخلاقية للدولة؟ يتساءل الصحافي سيفر بلوتسكر، في مقاله لصحيفة "معاريف" بعنوان «حملة الإسكات» .
واجهت «نحطم الصمت» حملة شعواء من قبل اليمين "الإسرائيلي". ففي مقال بعنوان «اليسار فقد طريقه» قال حاييم شاين: "هناك أوقات كان فيها أبطال اليسار الإسرائيلي ومحاربو الـ 101 ومظليون أبطال وقادة في الجيش. الأوقات تغيّرت وفقد اليسار الإسرائيلي طريقه وحلمه. الأبطال الجدد هم مجموعة صغيرة تكسر الصمت وتُشهر بالجيش "الإسرائيلي" في البرلمانات الأجنبية والمنظمات الدولية". فالانتقادات الدولية ضد "إسرائيل"، برأي شاين تعتمد على معطيات تلك المنظمات. وليس على الكفاح الفلسطيني، ووعي الرأي العام العالمي بممارسات "إسرائيل" ضد الفلسطينيين وحقوقهم.
وفي مسعى لتوضيح حقيقة الحملة على «كسر الصمت»، يرى سيفر بلوتسكر أن للحملة ضد «كسر الصمت» هدفاً خفياً، يختلف جداً عن الهجوم التعسفي على جمعية تحاول الحفاظ على سمعة الجيش "الإسرائيلي" كجيش أخلاقي (إذا كان ثمة أي مضمون على الإطلاق لعبارة «جيش أخلاقي») سمعة تريد "إسرائيل" أن تكون فخورة بها. والشهادات التي تأتي بها الجمعية وخير تفعل إذا ما حرصت اكثر على صحتها تشير إلى أحداث في خدمة عسكرية محظور أن تقع ومحظور أن تصبح طبيعية. وكي لا تصبح طبيعية، ينبغي الكشف والتنديد العلني بها في الحالات التي لا يكون ممكناً فتح تحقيق في النيابة العسكرية العامة. من هذه الناحية، يقول بلوتسكر «فإن «نحطم الصمت» تقف بالمرصاد للذود عن الجيش الإسرائيلي الذي «نريد أن يكون عليه دوما،ً إضافة لكونه أفق تعبير مهماً للجنود في نزاع أخلاقي"..
والهدف الخفي للحملة على «كسر الصمت»، حسب بلوتسكر، ناجمة عن الخوف من تحطيم الصمت الوطني الذي يميز اليوم الخطاب الجماهيري "الإسرائيلي". في هذا الخطاب، يبدو الصمت على الاحتلال والتوسع في المستوطنات وفي مواضيع أخرى مثل الولادة القريبة لدولة ثنائية القومية، الانهيار لفكرة «الدولتين للشعبين» وغيرها.
هذا الصمت، يعني، للمنافحين عن «كسر الصمت»، تجاهلاً طوعياً للأمور الأكثر أهمية في حياة "الإسرائيليين" كشعب ودولة، كـ"إسرائيليين" ويهود، وهو مريح جداً أيضاً سواء للحكومة أم لأجزاء من المعارضة. ومن هنا تخوفهما المشترك من مغبة أن ينتشر النهج التآمري «لتحطيم مؤامرة الصمت» من موضوع الأخلاقيات في الجيش "الإسرائيلي" القابل للعلاج الموضعي والعملياتي، إلى المسائل الأكثر أهمية وخطورة.
فكسر الصمت، حسب بلوتسكر، معناه هز "الإسرائيليين" وايقاظهم من سباتهم، وتحرير اليسار المعتدل من صفقة الغاز لإعادة صوت الصرخة السياسية له. فليست صفقة الغاز هي ما ينبغي أن تكون مهمة لليسار بل صفقة الدولة هي التي ينبغي أن تكون أولوية له. هكذا أيضا بالنسبة لليمين المركزي والمعتدل، الصامت بدوره. والذي يفسر صمته كتسليم للخطاب والفعل المتطرفين.
ويرى دعاة كسر الصمت أن الصراخ يجب أن يتواصل ويتصاعد لأنه ليس ثمة بين الأحزاب والتيارات السياسية في "إسرائيل"، من يمتلك حلولاً سياسية سهلة، بسيطة، معقولة ومفهومة. بينما الحلول التقليدية، التي وضعها على الطاولة اليمين واليسار على حد سواء، غير قابلة للتطبيق، وغير ذات صلة وليست واقعية. أكل عليها الدهر وشرب. نفد مفعولها. ولكن بالذات بسبب ذلك، كان يمكن توقع اندلاع خطاب عاصف على بدائل سياسية وقومية، على تسوية إقليمية أخرى، على سبل مختلفة وجديدة للحياة مع وقبالة الفلسطينيين، دون احتلال وقمع ودون تفريط بالمصالح الأمنية والقومية الحيوية. وبالذات حيال شرق أوسط سائل، عاصف ومتفكك، مطلوب تفكير "إسرائيلي" جديد، أصيل وإبداعي.
فيما الجهات المعنية بالإبقاء على وضع الصمت وهي كثيرة وذات قوة تخاف من حركة وضعت عليها شعار تحطيم الصمت. ليس مضمون «نحطم الصمت» خطيراً في نظرها، بل السابقة هي الخطيرة.
مراجعة تاريخ "إسرائيل"، يظهر أنها كانت تهرب من استحقاقات أزماتها الداخلية باتجاه الحرب، ولعل ما أعلنه نتنياهو مؤخراً أن "إسرائيل" ستعيش على حد السيف للأبد، غير بعيد عن هذا السياق.
المستقبل اللبنانية